الصحوة – علي الحداد
في زوايا السياسة المظلمة، حيث تختلط الحقائق بالشائعات، وتُسخَّر الأقلام لتصفية الحسابات لا لنقل الحقيقة، تقف سلطنة عُمان بكل هدوء واتزان، ثابتة على أرض صلبة من القيم والمبادئ التي اختطّتها لنفسها منذ عقود.
وفي المقابل، تزداد حمى الحملات الإعلامية المحمومة التي لا تمت للموضوعية بصلة، وتسعى بكل ما أوتيت من ضجيج وتلفيق إلى النيل من هذه القامة السياسية والأخلاقية التي تمثلها السلطنة.
ليست الاتهامات الأخيرة التي وُجهت إلى السلطنة بزعم تسهيل تهريب السلاح إلى أنصار الله الحوثيين عبر المهرة ودعمها إلا حلقة جديدة في سلسلة من المحاولات الفاشلة لتشويه مواقفها المتزنة.
والمفارقة المؤلمة أن هذه المزاعم تأتي ممن عجزوا عن فرض واقع سياسي أو عسكري في اليمن، فلجأوا إلى مناورات إعلامية تهدف إلى التغطية على فشلهم الميداني، من خلال إسقاط التهم على طرف يعرف الجميع أنه لم يتدخل، بل ظل حريصًا على الدفع نحو طاولة الحوار لا ساحات القتال.
ومن هنا، لا بد من تفكيك هذه الحملات الإعلامية لفهم دوافعها العميقة:
أولها، التغطية على الفشل، حيث تسعى بعض الأطراف إلى خلق “عدو بديل” يصرف الأنظار عن إخفاقاتهم المتراكمة في اليمن.
وثانيها، استهداف النموذج العُماني نفسه، القائم على الحياد والاستقلالية، والذي يزعج المنظومات الإقليمية التي لا ترى في الحياد إلا خيانة.
وثالثًا، بناء سردية إعلامية مريحة تسوّق لفكرة وجود أطراف “معرقلة”، بدل الاعتراف بالقصور الذاتي.
ولا يُستبعد أيضًا أن تكون هذه الحملات نوعًا من الابتزاز السياسي غير المباشر، في محاولة لدفع عُمان نحو مواقف أقرب لأجندات الآخرين.
وأخيرًا، هناك عنصر التنافس على النفوذ، حيث تشكل عُمان، بحكم موقعها وعلاقاتها المتوازنة، لاعبًا إقليميًا مؤثرًا يُراد تهميشه.
ولأن السلطنة لم تنخرط في تحالفات، ولم تلوث يدها بتغذية الصراعات، فإن موقفها المستقل أصبح مصدر قلق وريبة لدى أولئك الذين لا يرون في الحياد إلا خيانة، ولا يدركون أن الحياد، في بعض السياقات، هو قمة الشجاعة السياسية.
فعُمان لم تنزلق إلى مستنقع الحرب اليمنية، أصبحت محل انتقادات، لا لأنها ارتكبت خطأ، بل لأنها التزمت بمسار مستقل في التعامل مع الأزمة، يختلف عن رؤى بعض الأطراف.
بل إن بعض الأقلام المأجورة ذهبت إلى أبعد من ذلك، فاختلقت “تسريبات” و”تحقيقات” تتحدث عن ممرات تهريب وقصص وهمية وغض طرف عماني، دون دليل أو قرينة، فقط لتغذية خطاب الكراهية والافتراء.
إنها حالة من الانحدار الإعلامي والسياسي، حيث تُصنع الأكاذيب في غرف مظلمة وتُبث على أنها حقائق، في مشهد يعكس إفلاسًا أخلاقيًا واستراتيجيًا بامتياز.
والمؤسف أن من بين مروّجي هذه الحملات بعض الأسماء اليمنية، ممن يصفون أنفسهم بـ الإعلاميين والعسكريين والكتاب، وكذلك من الجهلة الذين لا يفقهون ولا دراية لهم بالسياسة، يتعمدون بشكل شبه يومي الإساءة إلى سلطنة عمان، وسياستها، بل وشعبها، في تغريداتهم وتصريحاتهم ومداخلاتهم الإعلامية.
هؤلاء، بدل أن يكونوا صوتًا للسلام أو جسرًا للتقارب، اختاروا أن يكونوا أدوات لتمزيق النسيج الأخوي، في وقت أحوج ما تكون فيه شعوب المنطقة إلى التلاحم وتقدير المواقف المسؤولة.
لكن عُمان، كما عهدها التاريخ، لا ترد بالصراخ، بل بالموقف بسياستها الخارجية القائمة على الحكمة، والرؤية الواضحة، والتعامل الهادئ مع القضايا، تنأى بنفسها عن مستنقعات الردح الإعلامي والمهاترات.
فهي تؤمن بأن السلام ليس مجرد أمنية مثالية، بل ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لتجاوز أزمات المنطقة.
لقد كرّست السلطنة نفسها وسيطًا نزيهًا، لا يحمل أجندات، ولا يسعى إلى مكاسب في ركام الحرب، بل يعمل غالبًا بهدوء على جمع الفرقاء على طاولة حوار شاملة.
والتاريخ العُماني يشهد أنها لم تكن يومًا طرفًا منحازًا، ولا استغلت موقعها أو علاقاتها لتحقيق مصالح ضيقة، بل اختارت أن تكون صمام أمان، لا شرارة فتنة.
وما يبعث على الأسى، أن هذه الحملات تطلق في وقت تشتد فيه الحاجة إلى صوت العقل، في منطقة أرهقتها الحروب، وتبحث عن بصيص أمل.
وبدلًا من احتضان هذا الدور العُماني المتزن، يصر البعض على تشويهه، كأنهم لا يحتملون وجود نموذج أخلاقي مستقل لا يخضع لحساباتهم الضيقة.
تمويل الحملات الإعلامية المغرضة ضد عُمان لن يغيّر من واقع أنها دولة عريقة في قيمها، ثابتة في مبادئها، وفاعلة في مسارات السلام.
لكنه يكشف في المقابل عن حجم السقوط المهني والأخلاقي لأولئك الذين لم يجدوا وسيلة لتبرير فشلهم إلا عبر الافتراء على من لم يشاركهم خياراتهم الكارثية.
وفي مواجهة هذه الموجات من التشويه، تبقى الحاجة ملحّة إلى تعزيز الخطاب الإعلامي المسؤول، الذي يصون كرامة الشعوب ويحترم مواقف الدول الشقيقة، بعيدًا عن الانجرار وراء محاولات التفرقة أو تزييف الوعي.
ستبقى عُمان، رغم ضجيج الادعاءات، صوتًا للعقل حين يعلو الصراخ، وبارقة أمل حين تتكاثف غيوم الفوضى.
لا تهزّها الحملات، لأنها لا تتكئ على صخب اللحظة، بل تستند إلى إرث من الحكمة، ومسار من الثبات الأخلاقي.
فهي لا تزاحم في زوايا التوتر، بل تبني لنفسها مساحة خالصة من التوازن والاحترام، حيث يكون الحياد موقفًا، والسلام خيارًا لا حياد عنه .




























