الصحوة – بلقيس الهنداسية
كانت مطرح أكثر من مجرد موطن بالنسبة له، لا يسكنها فحسب بل تسكنه ! فقد كان يعيشها بكل جوارحه، عشقها بصدق، وتجلى ذلك في تقاريره المصوّرة ولقاءاته التي أبرزها دائمًا بعين العاشق الغيور، الحالم بأن يراها بين أفضل مدن العالم، كما كان يقول دومًا، كانت مطرح في صوته، وفي عدسته، وفي حروفه.
واليوم فقدت مطرح أحد أبنائها الأوفياء، وفقد الإعلام العُماني صوتًا عميقًا، ليس مجرد موجة عابرة في أثير الإذاعة، بل وجدانًا ناطقًا ورفيقًا لحكايات الناس اليومية، وصوتًا ظل يرافق الأجيال عبر سنوات.
غاب اليوم الإعلامي والمخرج والكاتب العُماني القدير محمود بن عبيد الحسني، بعد صراع طويل مع المرض، ترجّل بصمت يليق بالفرسان، محاطًا بقوة وصمود وبسالة حتى آخر أيامه، ودّع الحياة كما عاشها نقيًا، مرحًا، مخلصًا، وممتلئًا بالحب والحنين.
في أواخر ثمانينات القرن الماضي، بدأ محمود عبيد في رسم حضوره في الساحة الإذاعية، حمل بين كلماته نبض المجتمع وتفاصيله الصغيرة، وكتب بعين الإنسان القريب من الناس، وبقلمٍ يلتقط المعاني من الحياة اليومية، بأسلوبٍ يتراوح بين الجدية والطرح الخفيف، ولم يكن يخلو أحيانًا من لمسة فكاهية ذكية تُقرّب الفكرة من المتلقّي دون أن تُفقدها عمقها.
من خلال أعماله المتنوعة نجح “الحسني” في أن يرسم صورة حقيقية للواقع العُماني، في زمن كان فيه الإعلام صوتًا وحيدًا ينقل هموم الناس وأحلامهم، شارك في تأليف العديد من المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية التي خلّدت اسمه، مثل “حزاوينا خليجية” و”سوالف ليل ونهار”،”صف ألف باء”، “درايش”، “زيد وعبيد”،”دروب”،”في الأيادي البيضاء” وغيرها من الأعمال التي تركت بصمة واضحة في ذاكرة الجمهور.
لم يكن يرى في الكتابة مجرد عملٍ يومي، بل شغفًا يعيشه بكل تفاصيله، وقد عبّر عن ذلك بصدق في أحد لقاءاته حين قال: “لا أتخيل حياتي من دون عملي في الإذاعة، التواصل الجماهيري عبر الأثير جزء لا يتجزأ من يومي” هذه العبارة اختصرت عمق علاقته بالإعلام، ذلك العالم الذي ظل وفيًا له حتى آخر لحظة، كما ظل الإعلام وفياً له بعد رحيله.
ففي لحظة تلقي نبأ وفاته، خرج زملاؤه في الساحة الإعلامية على برامج التواصل الاجتماعي ليشهدوا على رحلته الحافلة بالعطاء، مؤكدين أن وفاءهم له لم يزل حاضرًا، وأن أثره لا يزال ينبض في كل كلمة وكل عمل قدمه.
استعاد سليمان المعمري ذكرياته مع الفقيد قائلاً: “نحن زملاءه في إذاعة سلطنة عُمان – فاكهة المجالس-، فلا يحل في مكان إلا عمّتْه البهجة والضحك، بظُرفه وخفة ظلّه، وممارسته موهبة تقليد هذا أو ذاك من الزملاء. وقد انعكست هذه الروح المرحة على كتابته الدرامية للإذاعة والتلفزيون، وبتنا نعرف عند الاستماع إلى حوار كوميدي إذاعيّ أو تليفزيوني من كتابة محمود…”
ونعت بثينة البلوشية الراحل بقولها: “ببالغ الحزن والأسى، ننعي الإعلامي الأستاذ محمود عبيد، الذي وافته المنية بعد رحلة صبر واحتساب مع المرض؛ فقد كان مثالًا في الثبات والتسليم بقضاء الله، عرفناه بأخلاقه الرفيعة التي زرع بها محبة في قلوب كل من عرفه.. نسأل الله أن يسكنه فسيح جناته. إنّا لله وإنّا إليه راجعون”.
واستحضر أحمد البادي أثر الفقيد قائلاً: “قبل عِدة سنوات، غادر الإذاعة إلا أنهُ لم يغادر ذاكرة محبيه، فصوتهُ الذي نُحِتَ على المسامع، بقي يتردد دون موجات هيرتز ، اليوم يرحل هذا الصوت، تاركاً خلفه حُزناً وحباً. وداعاً #محمود_عبيد”
ورثى فاضل المزروعي صديقه قائلاً:
“رحل إلى جوار ربه صباح اليوم، الأخ والصديق والزميل الإعلامي محمود عبيد الحسني، مستسلما للمرض الذي داهمه بشراسة، وفقدت مسقط (مطرح تحديدًا) ابنًا من أبنائها البررة الذي لم ينم يوماً دون ذكرها.. إلى جنات الخلد أيها الطيب”
يوسف الهوتي دعا له وتأمل في أثره قائلاً:“تغمد الله الفقيد الغالي الزميل الإعلامي #محمود_عبيد_الحسني بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وألهم أبناءه وأسرته وأحبابه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عرفناه شخصاً محباً لعمله، أعد وأخرج العديد من البرامج الإذاعية التي لاقت استحسان الجمهور، وكان متعاوناً مع زملائه، أحبه الجميع بلا استثناء، نقل خبرته الإعلامية لجيل الشباب، وثق بالصوت والصورة بعض الحارات القديمة في مدينتي مطرح ومسقط.
وها هو يرحل في هذه الأيام المباركة، فإلى جنات النعيم يا صديقي العزيز”
محمد البلوشي ودّع الفقيد بكلمات محبة قائلاً: “محمود بن عبيد الحسني، أحد أبرز الإعلاميين العُمانيين، وصاحب صوت إذاعي لا يُنسى.
لم يكن محمود إعلامياً فحسب، بل كان قريباً من الناس، صادقاً مع الميكروفون، مخلصاً في رسالته، ومحبّاً لوطنه عُمان، ومولهاً بمطرح التي أحبّها وأحبّته.
كان آخر عمل جمعنا به احتفاء غرفة تجارة وصناعة عُمان بيوم المرأة العُمانية، واليوم نودّعه بقلوبٍ مكلومة، وصوتٍ غيّبه الرحيل، لكنه سيظل حيّاً في ذاكرتنا،رحمك الله، وجعل الجنة مثواك”
وهكذا يرحل الكبار،بصمتٍ لا يشبه إلا نقاءهم، تاركين خلفهم أثرًا لا يُمحى، وسيرًا تُروى، وقلوبًا ممتنّة مرّت بها أصواتهم وأعمالهم يومًا.
محمود بن عبيد الحسني لم يكن مجرد إعلامي أو مؤلف أو مخرج، بل كان روحًا تنبض بالإبداع، وإن غاب جسده، فإن حضوره باقٍ في تفاصيل الذاكرة العُمانية، في الإذاعة التي أحبها، ومطرح التي هام بها، وفي قلوب كل من عرفه، أو اكتفى بالاستماع إليه.
وإننا في صحيفة الصحوة، إذ نودّع قامة إعلامية بحجم محمود بن عبيد الحسني، لنعزّي أنفسنا أولًا، ونتقدّم بخالص العزاء والمواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى زملائه وأصدقائه ومُحبيه، سائلين المولى عزّ وجل أن يُلهمهم الصبر والسلوان، وأن يرحم الفقيد بواسع رحمته ويسكنه جناته .
-إنا لله وإنا إليه راجعون-




























