الصحوة – سعاد الوهيبية
الحج رحلة العمر، حيث يترك الإنسان خلفه كل شيء، متجهًا نحو بيت الله الحرام، محملًا بالشوق والخشوع.
تبدأ الرحلة عندما يقرر الحاج أن يلبي نداء الله، فيرتدي ملابس الإحرام البيضاء، التي تساوي بين الجميع، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، الجميع يقفون على صعيد واحد، قلوبهم معلقة بالسماء، وألسنتهم تلهج بالتكبير والدعاء.
عند وصول الحاج إلى مكة، يلمح الكعبة المشرفة – فالبعض يراها لأول مرة – ، فتغمره مشاعر لا توصف، دموعه تنهمر، وقلبه يخفق بشدة، فقد وصل إلى المكان الذي تهفو إليه الأرواح منذ الأزل.
يبدأ بالطواف حول البيت العتيق، سبعة أشواط، حيث تختلط الأصوات بالدعوات، ويشعر وكأنه جزء من نهر بشري يتدفق حول الكعبة، كل خطوة تقربه أكثر من الله، وكل دعاء يرفع روحه إلى السماء.
ثم ينتقل إلى السعي بين الصفا والمروة، مستذكرًا قصة هاجر، تلك الأم التي ركضت بين الجبال بحثًا عن الماء لطفلها إسماعيل، وكأن الزمن يعود به إلى تلك اللحظة العظيمة، حيث تتجسد معاني الصبر والثقة بالله.
يوم عرفة، هو اليوم الأعظم، حيث يقف الحاج على جبل الرحمة، يرفع يديه بالدعاء، والدموع تملأ عينيه، فقد أدرك أن هذه اللحظة هي الأهم في حياته، حيث يشعر بقربه من الله أكثر من أي وقت مضى. مع غروب الشمس، ينطلق إلى مزدلفة، حيث ينام تحت السماء المفتوحة، متأملًا في عظمة الكون.
وفي منى، يرمي الجمرات، مستشعرًا معنى الانتصار على النفس، ثم يذبح الهدي، متذكرًا تضحية إبراهيم عليه السلام.
ومع انتهاء المناسك، يعود إلى مكة ليؤدي طواف الوداع، مودعًا هذه الأرض المباركة، لكنه يدرك أن الحج لم يكن مجرد رحلة جسدية، بل كان رحلة روحية غيرت حياته إلى الأبد.
يعود الحاج إلى بلده، لكنه لم يعد كما كان، فقد ترك جزءًا من قلبه في مكة، وعاد بروح جديدة، مليئة بالإيمان والسلام الداخلي، مستعدًا لبدء فصل جديد من حياته، مستلهمًا من هذه الرحلة المباركة.




























