الصحوة – علي الحداد
في يونيو 2025، عادت ولاية كاليفورنيا إلى صدارة المشهد السياسي الأمريكي، ليس فقط باعتبارها ساحة احتجاجات واسعة ضد سياسات الهجرة الفيدرالية، بل كجبهة مواجهة مباشرة بين حكومة الولاية بقيادة الديمقراطي جافين نيوسوم وإدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب في ولايته الثانية. ما بدأ كمداهمات نفذتها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) سرعان ما تطور إلى أزمة دستورية مصغرة، وحالة شبه طوارئ في لوس أنجلوس، وسط تحركات عسكرية فدرالية، واحتجاجات غاضبة، وخطاب سياسي متصاعد، يهدد بزعزعة واحدة من أكثر الولايات تأثيرًا في الاتحاد الأمريكي.
كاليفورنيا، الولاية الأكثر سكانًا وتأثيرًا اقتصاديًا، طالما مثلت تحديًا لرؤى ترامب الشعبوية والانعزالية. منذ ولايته الأولى (2017–2021)، اصطدمت أجندته مع توجهات الولاية الليبرالية في ملفات الهجرة، التغير المناخي، والرعاية الصحية. ومع عودته إلى السلطة في 2025، جاء ترامب أكثر راديكالية، مدفوعًا بقوة قاعدته الانتخابية، ومصممًا على تنفيذ وعده بإجراء أكبر عملية ترحيل للمهاجرين غير النظاميين في التاريخ الأمريكي، بمعدل مستهدف يبلغ 3000 اعتقال يوميًا. مداهمات ICE التي انطلقت في 6 يونيو، واستهدفت مواقع عمل مثل متاجر “هوم ديبوت” ومستودعات صناعية، كانت بمثابة شرارة فجّرت الغضب الكامن داخل المجتمعات اللاتينية، ما لبث أن تحوّل إلى احتجاجات عنيفة في شوارع لوس أنجلوس.
ردًا على الاضطرابات، وقّع ترامب مذكرة رئاسية لتفعيل الحرس الوطني الفدرالي، مستندًا إلى قانون الطوارئ العسكري (Title 10)، ومن ثم عزز هذا القرار بنشر مشاة البحرية. هذه الخطوة النادرة، والتي لم تُمارس بهذا الشكل منذ أزمة الحقوق المدنية عام 1965، تجاوزت سلطة حاكم الولاية، وأثارت موجة من الاعتراضات القانونية والدستورية. الحاكم جافين نيوسوم اعتبر القرار “انتهاكًا صريحًا للتعديل العاشر للدستور”، ورفع دعوى قضائية ضد إدارة ترامب، متهماً إياها بإساءة استخدام السلطة الفدرالية. أما عمدة لوس أنجلوس كارين باس، فرأت في هذا النشر العسكري “تصعيدًا فوضويًا” يزيد من حدة التوتر بدلاً من معالجته. الجدل هنا لا يقتصر على من يمتلك السلطة في أوقات الأزمات، بل يعكس صراعًا عميقًا حول معنى الفدرالية نفسها: هل الحكومة الفدرالية خادمة للولايات، أم متسلطة عليها؟
لوس أنجلوس، القلب الاقتصادي النابض لكاليفورنيا، تعرضت في 2025 لضربتين متتاليتين: حرائق مدمّرة في يناير، وأزمة الهجرة والاحتجاجات في يونيو. الأثر الاقتصادي للأخيرة لم يكن هامشيًا، بل شمل تعطيل الأعمال بفعل الإغلاقات وأعمال النهب، وتراجع النشاط السياحي، وتقلص ثقة المستثمرين، ونقص العمالة في القطاعات الحيوية، إضافة إلى أعباء أمنية وتمويلية ضخمة تتحملها المدينة والولاية. رغم ذلك، لا تزال لوس أنجلوس صامدة اقتصاديًا بفضل موانئها، صناعة الترفيه، وقاعدتها التقنية، إلا أن استمرار الاضطرابات يُهدد بتآكل هذه القوة تدريجيًا.
الرئيس ترامب لم يُخفِ نواياه في استخدام الأزمة كمنصة سياسية لتعزيز قاعدته. نشر الحرس الوطني، ووصف المتظاهرين بـ”المتمردين”، والتهديد باعتقال مسؤولين مثل نيوسوم وباس، كلها خطوات تعكس رؤية ترامب لممارسة السلطة—استعراض القوة، لا الاحتواء. أما نائبه، جي دي فانس، فقد لعب دورًا داعمًا يليق بخلفيته الشعبوية وولائه القوي لأجندة “أمريكا أولاً”. خطابه الموجه إلى “العمال الأمريكيين المنسيين”، ورفضه لما يعتبره “فوضى النخب الليبرالية”، يعزز مناصريه، ولكنه يعمق الانقسام الوطني. الاثنان يستخدمان الأزمة لتعزيز السردية التالية: “الديمقراطيون غير قادرين على فرض النظام، والدولة بحاجة إلى قبضة حديدية.”
رغم تصاعد الحديث عن “Calexit” أو استقلال كاليفورنيا، خاصة بعد تجدد مبادرات لجمع توقيعات لإدراج الاستفتاء على الاستقلال في انتخابات 2028، إلا أن الانفصال يبقى—في أقصى حالاته—رمزيًا. فالدستور الأمريكي لا يتيح أي آلية للانفصال الطوعي، كما أن كاليفورنيا تعتمد اقتصاديًا على السوق الفدرالية والدعم المالي المركزي. لا توجد مؤشرات على أن القيادة السياسية للولاية تتبنى خيار الانفصال بجدية، بل إن التوجه العام يتمحور حول مقاومة الإجراءات الفدرالية عبر المحاكم والمؤسسات القانونية.
الوضع في كاليفورنيا يتجه نحو تصعيد قانوني وسياسي طويل الأمد، مرشح لأن يصبح نقطة ارتكاز في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ستشكل الدعاوى القضائية اختبارًا جديدًا للفصل بين سلطات الولايات والحكومة الفدرالية، وقد تفتح الباب أمام مراجعة جذرية لاستخدام القوة العسكرية داخليًا. أما اقتصاديًا، فاستمرار التوتر يُهدد بتقويض ثقة المستثمرين، وتعطيل القطاعات الحيوية، وإضعاف المركز المالي للولاية، التي لا تزال تتعافى من تداعيات حرائق يناير.
ما يجري في كاليفورنيا ليس مجرد أزمة محلية، بل مرآة لأزمة أعمق تعصف بالولايات المتحدة: الانقسام السياسي، فقدان الثقة بالمؤسسات، وصعود الشعبوية الاستقطابية. ترامب وفانس لا يمثلان فقط إدارة، بل عقلية سياسية ترى في السلطة أداة لفرض الانضباط لا التفاوض، بينما ترى كاليفورنيا في تمردها الدفاع عن نموذج اجتماعي أكثر شمولًا وعدالة. ما يحدث اليوم قد لا يؤدي إلى انفصال، لكنه يضع أسس صراع دستوري طويل سيعيد تشكيل العلاقة بين المركز والولايات. لوس أنجلوس ليست على وشك الانفصال، لكنها بالتأكيد على مفترق طرق تاريخي سيحدد شكل السياسة الأمريكية لعقود قادمة .



























