الصحوة – علي الحداد
في زمنٍ امتلأت فيه المنابر بالصدى وخَلَت من الصدى الحقيقي، وفي عصرٍ اختلط فيه الخطاب الديني بالمصالح، والفتوى بالحسابات، كان لا بدّ للأمة أن تلتفت إلى من تبقى من أصوات النور والصدق… وكان في مقدمتهم الشيخ الجليل أحمد بن حمد الخليلي، العالم الرباني العُماني، الذي لم يكن مجرد مفتيًا لبلد، بل ضميرًا حيًا لأمة بأسرها.
وُلد في زنجبار عام 1942، حين كانت جزءًا لا يتجزأ من الروح العُمانية الكبرى، ونشأ في بيت علمٍ وتقوى، فكان القرآن زاده الأول، والفقه مشربه الثاني، والتقوى رفيقة عمره الطويل. حفظ كتاب الله في طفولته، ونهل من علوم العلماء دون أن يمرّ بمقاعد التعليم النظامي، فصار شاهدًا على أن العلم الحقّ لا يُقاس بالشهادات بل بالأثر، ولا يُوزن بالحبر بل بالبصيرة.
عاد إلى عُمان في ستينيات القرن الماضي، وبدأ رحلته في خدمة الدين والأمة، مدرسًا ومصلحًا، ثم مسؤولًا، إلى أن تولّى منصب المفتي العام للسلطنة عام 1975، ليصبح منذ ذلك اليوم مرجعًا وطنيًا ومذهبيًا وفكريًا وإنسانيًا، يجمع ولا يفرّق، يوجّه ولا يُقصي، يُعلّم ولا يُملي.
الإباضية مذهبه، لكنه فقيه كل المذاهب؛ أحاط بالمالكية والحنفية والشافعية والحنبلية والشيعة، فصار المفتي الذي يُفتى عنده السني والشيعي والإباضي دون حرج أو حذر. لم يُحاصر الفتوى ضمن نطاق مذهبي، بل وسّع رؤيته ليشمل الفكر الإسلامي في شموله واتساعه، فأحبه الناس من كل مشرب، ووجدوا فيه ملاذًا للعدل، ومنبعًا للرحمة.
حين يتحدث، تُصغي له العقول قبل الآذان، لأن كلماته لا تُصاغ للإرضاء، بل تُقال للحق، مهما كانت الكلفة. قالها صريحة ضد التطبيع، ونادى نصرة لغزة، واعتبر العدوان على فلسطين امتدادًا لغزوة الأحزاب. لم يخف من العواقب، بل خاف من أن يصمت حين يجب أن يُقال الحق. دافع عن أخلاق المجتمع وقيمه الأصيلة، وناشد بالحفاظ على الهوية الإسلامية النقية، فكان خطابه دعوة إلى الارتقاء لا المنع، وإحياءً للفضيلة لا فرضًا بالجبر.
وفي زمن التلون، بقي ثابتًا كالجبل. لم يتغير مع العواصف، ولم يُبدّل وجهه كلما تبدلت الأنظمة. هو العالم الذي ظل وفيًا للحق، لا تُغريه المراتب، ولا تأخذه العاطفة إلى مذهب دون آخر. لأنه يعلم أن مكان العالم ليس خلف السلطة.
أما كتبه، فهي نبض الأمة وعقلها اليقظ، من الحق الدامغ إلى مصرع الإلحاد إلى الاستبداد… مظاهره ومواجهته. فيها العقل والبرهان، وفيها النور الذي يُصارع الظلمة، ويُخرج القارئ من ضيق التقليد إلى سعة الفهم، ومن أسر العادة إلى أفق التجديد.
وحين يُسأل عن الحرية، لا يُراوغ كما يفعل غيره، بل يؤكد أنها قيمة أصيلة في الإسلام، مقرونة بالعدل، ومؤطرة بالشريعة، لا خارجة عنها. فهو يرى أن الحرية لا تعني الانفلات، بل المسؤولية، وأنها ركن من أركان الكرامة الإنسانية التي جاء الإسلام لصونها.
لقد أحبّه الناس لأنه واحد منهم، ولأنهم شعروا في صوته بعمق صدقٍ نادر، ووجَدوا في هدوئه قوةً جبّارة، وفي تواضعه عزة لا تُشترى. هو الشيخ الذي إن حضر سكت الضجيج، وإن تكلم أنصت الحكماء، وإن سُئل أخرجك من الحيرة ببصيرة، لا بكثرة الكلام.
إننا لا نكتب عن مفتي السلطنة، بل عن شيخٍ نذر حياته للدين بلا ثمن، وعن رجلٍ وقف حين خاف الكثيرون، وعن حكيمٍ يحمل الأمة في قلبه لا في جيبه. نكتب عن أحمد الخليلي لأنه من القلائل الذين أبَوا أن يكونوا ظِلًّا، فصاروا شمسًا تهدي، ونجمًا يُرى من بعيد ويُتّبع من قريب .



























