الصحوة – مروة الهنائي
قبل أعوام مضت، عندما كنتُ في المدرسة، شاهدتُ مسلسلًا مصريًا لا أذكر منه شيئًا سوى مشهدٍ جمع سيدة كبيرة في العمر بأخرى شابة خريجة جامعة. كان المشهد توجيهيًا يتناول موضوع العمل والدراسة.
كانت السيدة الكبيرة تنصح الشابة قائلةً: «يجب على الإنسان أن يكون لديه ثلاث أشياء: شهادة، وهواية، ووظيفة».
ظلّ هذا الحديث عالقًا في ذهني لسنوات طويلة، لأنّ الشهادة قوة، والهواية أو المهارة سندٌ وبديل إن لم يكن للشهادة مجال استخدام، أما الوظيفة فهي مصدر المال.
ولا أخفيكم أن لهذا المشهد أثرًا كبيرًا في المسار العملي الذي قررتُ أن أسلكه.
كثيرًا ما نسمع عن شبابٍ تركوا وظائف تدرّ عليهم المال من أجل ممارسة هوايةٍ أحبّوها ووجدوا فيها الراحة والاستقرار المالي. هذه الهوايات، التي تنبع من إبداع الحواس وتشبه أصحابها، تتنوّع بين الكتابة والرسم والغناء والنحت والتصميم والتصوير وصناعة المحتوى والتمثيل على المسرح أو في السينما… والأرباح التي يحصدونها من عملهم تؤكّد صواب قرارهم، إذ انتقلوا من الصناعات غير الإبداعية إلى الصناعات الإبداعية.
ولا يقتصر الأمر على الانتقال فحسب، فهناك من بدأ مسيرته العملية من داخل هذه الصناعات، وهناك من جمع بين الصناعتين معًا.
الصناعات الإبداعية، أو كما تُعرف بمسميات أخرى مثل الصناعات الثقافية والاقتصاد الإبداعي والاقتصاد البرتقالي، تعتمد أساسًا على المهارات البشرية المدعومة بالحواس والخيال والإبداع والمواهب والابتكار. وهي تسعى لخلق فرصٍ اقتصادية وملكيةٍ فكرية، وإنتاج سلعٍ وخدماتٍ ثقافية وفنية للمجتمع الذي نشأت فيه. وبدون العنصر البشري، لا يمكن لهذه الصناعة أن تقوم.
وبحسب تعريف اليونسكو، فهي:
«قطاعات النشاط المنظّم التي يكون غرضها الرئيسي إنتاج أو إعادة إنتاج أو ترويج أو توزيع و/أو تسويق السلع والخدمات والأنشطة ذات الطبيعة الثقافية أو الفنية أو المتعلقة بالتراث».
تعود الفكرة الترويجية للصناعات الإبداعية إلى تسعينيات القرن العشرين. وبحسب بحث نشرته كلية كينجز لندن بعنوان:
(The Birth of Creative Industries: Revisited — An Oral History of 1998)
فإن الصورة الرسمية لهذا المفهوم تعود إلى قرارٍ حكومي صدر عن حكومة توني بلير عام 1997، بإنشاء فريق عمل للصناعات الإبداعية ليكون نشاطًا مركزيًا لوزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية.
ورغم أن المصطلح صيغ سياسيًا في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن جذوره مجتمعية مدنية، نبتت من حاجة الإنسان وأثره في بناء الحضارة. فمع الثورات الصناعية وتزاحم الآلات، قلّت الأيدي العاملة، وغابت الاستدامة، وتشابهت مظاهر الحياة، واختلطت الهويات، وتشابكت الأفكار. فصارت المهارات البشرية الطبيعية غير مرغوب فيها رغم كونها أصل كل الإبداعات، فظلّ نتاجها الاقتصادي دون تنظيم، وأُهدرت قيمتها زمنًا طويلًا.
وتشمل الصناعات الإبداعية مجالاتٍ واسعة مثل:
الفنون والأعمال اليدوية، الثقافة والتراث، التصوير الفوتوغرافي، الكتابة والطباعة والنشر، الإعلام الرقمي، السينما وصناعة الأفلام، المؤثرات البصرية والتفاعلية، المسرح والموسيقى، التصميم والأزياء والهندسة، الإعلان والتسويق.
وكل هذه المجالات تقوم على الإبداع الفكري والابتكار والهوايات والمهارات. ومع توفير البيئة المناسبة وسن القوانين المنظمة وحفظ حقوق الملكية الفكرية، يمكن أن تصبح من دعائم الاقتصاد الوطني، من خلال توظيف اليد العاملة المحلية، وتنويع السلع والخدمات، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الهوية الوطنية والثقافية.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء العُمانية، تعمل السلطنة حاليًا على:
«مشروعين استراتيجيين للقوة الناعمة يشملان الثقافة والرياضة والإعلام والهوية والحضارة، لتعظيم مكانتها وتاريخها ونقلها للأجيال القادمة».
وفي سياق الحديث عن تمكين المرأة العُمانية في القوة الاقتصادية الناعمة، فإن نشاطها الإبداعي يبدأ منذ نعومة أظفارها، حين تتعلّم في البيت على يد أمّها أو مربيتها التدبير المنزلي والخياطة وحياكة السجاد والرسم على الجدران وفنونًا يدوية متنوعة.
أما اليوم، ومع انشغال المرأة بالدراسة وعملها في قطاعات مختلفة، انتقل هذا التوجيه إلى المدرسة، التي تهيّئ للطالبات فرصًا للمشاركة في المعارض الفنية والانخراط في السوق، كما نراه في مواد التربية الفنية والتربية الأسرية وأقسام الأنشطة المدرسية.
ولا يقتصر التوجيه الإبداعي على المدرسة والمنزل، ففي معظم ولايات وقرى السلطنة توجد جمعيات المرأة العُمانية والمرأة الريفية، حيث تجتمع النساء من مختلف الأعمار والمستويات التعليمية للتعلّم والترفيه وعرض منتجاتهن من الأعمال اليدوية والفنية. كما تؤدي هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وهيئة تنمية الصناعات الحرفية دورًا مهمًا في دعم الصناعات الإبداعية، وتبرز يد المرأة العُمانية بوضوح في هذا المجال، إذ تجعل من منتجاتها امتدادًا للتراث العُماني، وتعرضها بما يواكب الأسواق التقليدية والرقمية.
وللجمعيات والمراكز الثقافية والفنية دورٌ فاعل في تمكين المرأة، فتُخرّج الكاتبة والروائية والفنانة والموسيقية والمخرجة وصانعة المحتوى الرقمي. وتدعم الحكومة هذه المؤسسات من خلال التنظيم القانوني وتوفير التصاريح، وحفظ الحقوق الفكرية، وإطلاق الجوائز وتنظيم المعارض الكبرى مثل:
جائزة بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري، معرض فن مسقط، أسبوع عُمان للتصميم، معرض مسقط الدولي للكتاب، وجائزة اقرأ للتصوير الفوتوغرافي، إضافة إلى دعم الابتكار التقني في مجالات الواقع الافتراضي والمعزز والذكاء الاصطناعي.
ولا ننسى دور المرأة في دعم السياحة بسلطنة عُمان، إذ أسست متاحف بمجهودٍ شخصي وجعلت منها وجهاتٍ سياحيةً وثقافية. ومن أبرز الأمثلة زكية اللمكية، التي أنشأت متحف البيت الغربي في ولاية الرستاق، فحوّلت بيت العائلة الأثري إلى متحفٍ يحفظ تراث المنطقة، وأسهم في إنعاش الحركة السياحية والاقتصادية فيها.
وكذلك عالية الفارسي التي أسست رواقًا فنيًا في منطقة الرسيل الصناعية، يعد الأول من نوعه هناك، تعرض فيه أعمالها الفنية وتستقبل زوارًا من مختلف دول العالم، كما تنظم فيه ورشًا فنية وجلساتٍ ثقافية. ويضم الرواق متجرًا لبيع اللوحات والإكسسوارات المستوحاة من فنونها، إضافةً إلى مقهى ومكتبة. وقد أتاح هذا المشروع فرص عملٍ جديدة وأسهم في دعم الحرف اليدوية المحلية.
وإن كانت جذور الصناعات الإبداعية ممتدة منذ قرونٍ خلت، إلا أن المصطلح نفسه حديث، ولم ينتشر في عُمان إلا خلال السنوات الخمس الأخيرة، تزامنًا مع جلسات رؤية عُمان 2040.
ومن المهم أن يكون هناك توافقٌ بين المصطلح والمنظومة القانونية، لأن تنظيم هذه الصناعات لا يختص بوزارةٍ واحدة، بل يحتاج إلى تكاملٍ مؤسسي لتقوم على أسسٍ متينة. وما يبعث على التفاؤل أن البيئة العُمانية مهيّأة بالعقول الواعية والأيدي العاملة لتكون وقودًا لهذه الصناعات.
وأخيرًا، حتى تتحقق الصناعات الإبداعية كرافدٍ من روافد الاقتصاد الوطني، يجب أن تتوفر لها ثلاثة مفاعلات: المعلومات، والمهارات، والسياسات والتمويل.
فالمعلومات تتمثل في الشهادات التخصصية مثل الإدارة والبرمجة وتحليل البيانات،
والمهارات تشمل الهوايات وما تتقنه اليد العاملة من إبداع،
أما السياسات والتمويل فتتجسد في الوظيفة التي تنظّمها القوانين الوطنية وتوفّر لصاحبها مصدرًا ثابتًا للتمويل.
وبالعودة إلى نصيحة السيدة للشابة الخريجة في المشهد القديم، ندرك اليوم معناها العميق:
فالشهادة لا تُغني عن الهواية، والهواية لا تُغني عن الوظيفة.
وجاء مصطلح الصناعات الإبداعية ليكون الحاضن لهذه الثلاثية، وليفتح المجال أمام من ترك وظيفته التقليدية أو أسس مشروعه الخاص ليصنع مصدر رزقٍ جديدًا له ولغيره، فتكون مخرجات عمله مرآةً لإنسانيته وبيئته، ودعمًا لاقتصاد وطنه




























