الصحوة – علي الحداد
في عُمان، الحياة ليست سباقًا، بل توازنٌ بين الروح والأرض، بين التقاليد والرؤية، بين الماضي والمستقبل.
هنا، في الركن الهادئ من الجزيرة العربية، حيث تلتقي الجبال بالبحر، وتعانق الرمال النسيم، تنبض عُمان كأنها قصيدة خُلقت لتُغنّى لا لتُقرأ.
هناك، بين الأفق الممتدّ من مسقط العامرة إلى ربوع المحافظات، تسكن حكاية وطنٍ كتب فصوله بالحكمة واليقين، ووقّع نهايته بالأمل، ليُعلن للعالم في عام 2025 أن عُمان هي الرابعة عالميًا والأولى عربيًا في جودة الحياة، وفق تصنيف منصة Numbeo الدولية كما نُشر عبر منصة Economic.
ليس ذلك ترتيبًا رقميًا فحسب، بل اعترافٌ عالميّ بجمال الحياة حين تُمارَس بهدوءٍ ووعيٍ وكرامة.
فالأرقام تؤكد ما يشعر به الزائر والمقيم على السواء .. أن عُمان تعيش حالة رفاهٍ متكاملة تجمع بين الطمأنينة والاستقرار والنقاء البيئي.
جاءت السلطنة في المرتبة الرابعة عالميًا والأولى عربيًا في مؤشر جودة الحياة، إلى جانب دولٍ تتصدر المشهد العالمي مثل لوكسمبورغ، وهولندا، والدنمارك، متقدمةً على سويسرا، وفنلندا، والنرويج، وآيسلندا، والنمسا، وألمانيا.
يعتمد هذا التصنيف على منظومة دقيقة من المؤشرات تشمل القدرة الشرائية، ومستوى التلوث، ونسبة أسعار المنازل إلى الدخل، وتكلفة المعيشة، والسلامة، والرعاية الصحية، وحركة المرور، فضلًا عن المناخ الذي يُسهم بدوره في تحقيق التوازن النفسي والمعيشي.
ويُلاحظ أن عُمان هي الدولة العربية الوحيدة ضمن هذا التصنيف العالمي، في إنجازٍ استثنائي بالنظر إلى هيمنة دول أوروبا الغربية والشمالية على القائمة. كما أن الفروق بين المراتب الأولى طفيفة للغاية، مما يعكس تقارب مستويات الرفاه في تلك الدول المتقدمة.
إن حضور السلطنة في هذا السياق تأكيدٌ على نجاح نموذجها التنموي الذي يجمع بين الإنسانية والاستدامة، ويبرهن أن التقدّم الحقيقي لا يُقاس بزحمة المدن وضجيجها، بل بسلام الإنسان وكرامته.
عُمان لا تعرف الصخب.
تمشي بخطواتٍ ثابتة، كأنها تسير على نغمةٍ من الطمأنينة. لا تركض وراء الأضواء، بل تجعل الضوء يأتي إليها.
وحين تسعى العواصم والمدن الكبرى لصنع مجدها في سماءٍ مزدحمة، اختارت السلطنة أن تبني مجدها في قلوب الناس .. في صدق التعامل، ونقاء البيئة، وبساطة الحياة التي لا تنقصها الكرامة.
ليس غريبًا أن تتوّج الرابعة عالميًا، ففي عُمان، الحياة ليست سباقًا، بل سيرةُ وعيٍ متوازنٍ وارتباطٌ أبديٌّ بين الأرض والإنسان.
حين تسير في شوارع مسقط أو تجوب أزقّة نزوى القديمة، تشعر أن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل حالة تُعاش.
الناس هنا لا يهرولون خلف التوتر، بل يعيشون بإيقاعٍ من الودّ والسكينة.
حتى الهواء في عُمان يختلف .. أكثر صفاءً، كأنه يشارك في حفظ سرّ هذا الوطن الذي آمن بأن الأمان لا يُبنى على الخوف، بل على الثقة.
الأمان في السلطنة ليس فقط في حدودها، بل في قلوب أهلها، وفي وجوهٍ تعرف كيف تبتسم للعابرين دون أن تسألهم من أين جاؤوا.
تطلّ الجبال كأنها حُراس التاريخ، وتتمايل النخيل كأنها تُصفّق للحاضر.
في عُمان، كل تفصيلٍ يحكي ..
رائحة اللبان من ظفار، وصدى الأذان في أزقة مطرح، وأمواج البحر التي تهمس للحجارة القديمة أن الحياة لا تزال جميلة.
من نزوى بقلاعها وتاريخها الروحاني، إلى الجبل الأخضر حيث النسيم البارد، وصولًا إلى رمال الشرقية بدفئها، وصحار والبريمي ومسندم وهيما وعبري، تتبدى السلطنة كلوحةٍ رسمتها الطبيعة، وأكملها الإنسان بصبرٍ وجمالٍ وانسجامٍ نادر.
حين رسمت عُمان ملامح رؤية 2040، لم تكن تخطط لمستقبلٍ من الأسمنت والمشاريع العملاقة فحسب، بل كانت تؤسس لمستقبلٍ من الوعي.
فالاقتصاد فيها إنساني، والمدن رحيمة، والمجتمع متكافل، ينهض دون أن يفقد طيبته.
ذلك التوازن بين النمو والاستقرار، بين الطموح والسكينة، هو ما جعلها تتقدّم لتكون من أعلى الدول عالميًا في جودة المعيشة والرعاية الصحية والأمان ونقاء البيئة.
وهكذا، أثبتت عُمان أن الرؤية التي تبدأ من الإنسان، لا بد أن تنتهي به عزيزًا مكرمًا.
هناك دولٌ تلهث خلف السرعة، لكن عُمان اختارت بطء الجمال لتصوغ مستقبلها بهدوءٍ متأنٍ.
هنا، الرفاه لا يُقاس بعدد الأبراج ولا المراكز التجارية، بل بهدوء الصباح في بيتٍ آمن، وبضحكةٍ لا تخنقها الهموم، وبالقدرة على العيش بكرامة دون تكلّف.
الرفاه في عُمان راحةٌ داخلية، وانسجامٌ بين الإنسان ومكانه، وبين الحياة وقيمها.
أن تتصدر السلطنة العالم العربي في جودة الحياة فذلك ليس مصادفة، بل ثمرةُ مسيرةٍ من الحكمة الهادئة والسياسات الراسخة.
لقد آمنت القيادة العُمانية أن الوطن لا يُقاس بمشاريعه المبهرة، بل بقدرة أبنائه على أن يعيشوا فيه مطمئنين.
ومنذ النهضة المتجددة المباركة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – ظلّت السلطنة تسير بخُطا راسخة نحو بناء وطنٍ يليق بالإنسان.
إن عُمان لا تنافس لتتفوق على الآخرين، بل لتتفوّق على ذاتها.
في هدوئها حكمة، وفي نهضتها تواضع، وفي حاضرها فخر.
هي الوطن الذي يُذكّرك بأن الازدهار لا يحتاج إلى ضوضاء، بل إلى إخلاصٍ وصدقٍ واستمرارية.
ومن بين كل المؤشرات والأرقام، تبقى الحقيقة الأجمل .. أن العيش في عُمان تجربةٌ تُشبه الشعر .. لا تُفسَّر، بل تُحسّ.
اليوم، حين يقول العالم إن عُمان هي الرابعة عالميًا في جودة الحياة، يبتسم العُمانيون بهدوء،
فهم يعرفون أن هذا الوطن لا يحتاج إلى ترتيبٍ ليعرف قيمته.
يكفي أن تستيقظ في صباحه، تسمع صوت المؤذن يتداخل مع هدير الموج، وتشعر أن كل شيء في مكانه الصحيح.
هذا هو معنى جودة الحياة في عُمان .. أن تعيش يومك كما لو أنك في قصيدةٍ لا تنتهي.
عُمان .. عشق الحياة.




























