الصحوة – علي الحداد
الضياء الذي استيقظ من العتمة
لكلِّ أمةٍ ساعةُ ولادةٍ لا تشبه غيرها.
لحظةٌ يختلط فيها الحلمُ بالتاريخ، والرملُ بالسماء، والصبرُ بالقدر.
وفي تاريخ عُمان، كانت تلك الساعة في عام ١٧٤٤م (١١٥٧هـ)،
حين اجتمعت القبائل على رجلٍ لم يأتِ من قصرٍ، ولا ورثَ عرشًا،
بل خرج من بيتٍ صغيرٍ في أدم، يحمل في يديه صدقَ التاجر وإيمانَ المؤمن،
وفي قلبه فكرةٌ واحدة، أنَّ الوطنَ لا يُبنى بالسيوف، بل بالضمير.
كان اسمه أحمد بن سعيد البوسعيدي،
الرجل الذي خرج من صُلب الصحراء ليُقيم في التاريخ،
ويصوغ من شظايا التفرّق وطنًا واحدًا،
ومن غبار الطريق رايةً ترفرفُ حتى اليوم.
الإمام الذي خرج من عمق الصحراء
في طفولته، كان يسمع صدى المؤذن في حيّ الجامع،
ويتعلّم من الصبر معنى القوة، ومن الحكمة معنى الكرامة.
ثم مضى إلى التجارة، يجوبُ البحار والأسواق،
يمتلك من حِكمة البحر ودهاء الصحراء ما يصنع منه قائدًا بالفطرة.
ولمّا هبّت الرياح الفارسية على عُمان،
وكانت البلاد تمزّقها الانقسامات،
كان هو يتهيّأ في صمتٍ ووعيٍ عميق ليكون الجواب الذي ينتظره الوطن.
قاتلَ إلى جانب الإمام سلطان بن مرشد،
وحين غيّبه القدر، وجد التاريخ في أحمد صوته المنبعث من ضمير الوطن.
فبايعته القبائل إمامًا،
لا لأنّه الأقوى، بل لأنّه الأصدق.
وفي تلك البيعة بدأت عُمان الجديدة،
وبدأ التاريخ يكتب فصلًا عنوانه .. من العزم وُلدت الراية.
الرستاق .. عاصمة العدالة والوحدة
اختار الرستاق عاصمةً لحكمه،
لا لأنها الحصن الأقوى، بل لأنها القلب الأهدأ،
ومنها جعل العدلَ نبراس الدولة، والوحدةَ ميثاقها.
أطفأ نيران الخصومة،
وجمع القلوبَ بعد طولِ شتات،
وحوّل السلطة إلى مسؤولية،
فلم يكن حاكمًا يُصدر الأوامر، بل مربّيًا يغرس المعاني.
كان يقول بفعله قبل قوله إن الحكم امتحانٌ،
وأنّ العدلَ أثقل من الحديد،
لأن الحديد يحكمُ الأجساد، والعدلُ يحكمُ الضمائر.
لقد أحبّه الناسُ لأنّه لم يرتفع عنهم،
كان يمشي بينهم، يسمعهم،
يحلّ الخلاف كما يحلّ الأبُ بين أبنائه،
ويؤمن أن السلطان بلا عدلٍ كالسفينة بلا شراع.
البحر .. حين صار شريك النهضة
ثم التفت الإمام إلى البحر،
ذلك الجار الأزلي لعُمان،
فرآه لا جدارًا يحدّ الأفق، بل بابًا مفتوحًا على العالم.
قال في نفسه .. من لا يصادق البحر، يحاصره الجفاف.
فأمر ببناء الأسطول،
وكانت سفينته الرحماني تمخرُ الموج عام ١٧٧٥،
تحمل رايةَ عُمان إلى البصرة،
تفكّ الحصار الفارسي عنها استجابةً لنداء السلطان العثماني عبد الحميد الأول.
لم تكن حربًا من أجل المجد،
بل واجبًا من أجل الشرف.
لقد كتب الإمام في تلك الرحلة صفحةً من أنبل صفحات التاريخ البحري لعُمان،
إذ أبحر لا ليغزو، بل ليحرس الكرامة.
ومن بعد تلك الحملة، مدّ يده إلى الشرق،
فوقّع مع أمراء الهند عام ١٧٦٦ معاهداتٍ للتجارة والأمن،
وأقام في مسقط أول بيتٍ للنوّاب،
ليكون صلةً بين حضارتين وميناءين.
ومن هناك، صارت الموانئُ العُمانيةُ جسورًا بين القارات،
وصار البحرُ طريقًا للسلام،
يُبحرُ فيه الإنسانُ حاملاً سلعةً ورسالةً في آنٍ واحد.
الإمام الإنسان .. عدلٌ يضيء بنور الإنصاف
كان أحمد بن سعيد إمامًا في الدين،
لكنّه قبل ذلك إنسانًا في السياسة.
إباضيُّ المذهب، واسعُ الصدر،
آمن أن المذاهبَ لا تُفرّقُ ما جمعه العدل.
أحيا المدارسَ وشجّع العلماء،
فكانت عُمانُ في عصره منارةَ علمٍ وسماحةٍ وتوازن.
وكان يقول:
من عَدَلَ في الرعية، فقد صلّى صلاةَ الوطن.
لقد فهم أن العدالة ليست قانونًا فقط،
بل عبادةٌ تُطهّرُ بها النفوس قبل أن تُنظَّم بها الدول.
وكانت حكومته تجسّد مفهوم الدولة الراعية لا الحاكمة،
حيثُ الأمنُ لا يُفرض بالسلاح،
بل يُزرع بالثقة والإنصاف.
رحيل لا يغيب
وفي ١٥ ديسمبر ١٧٨٣م،
أسلم الإمامُ روحه في الرستاق،
بعد عمرٍ أنفقه في بناء الدولة من الأرض والبحر.
لكن موته لم يكن انطفاءً،
بل استمرارًا في أبناءٍ أئمةٍ وسلاطين ساروا على نهجه،
وفي سلالةٍ ما زالت تحفظُ للفكرة أصلَها،
وتجعل من النهج البوسعيدي جسرًا بين الماضي والمستقبل.
وحين تشرقُ شمسُ العشرين من نوفمبر من كل عام،
تعود الذكرى لتُذكّرنا أنَّ ذلك اليوم لم يكن ميلاد دولةٍ فحسب،
بل ميلاد وعيٍ جديد،
يقول إنَّ الوطنَ فكرةٌ تُؤمَنُ بها لا تُؤخَذُ وراثةً.
الراية التي لا تنطفئ
لقد كان الإمام أحمد بن سعيد أكثر من مؤسسٍ لدولة،
كان ضميرًا جمع بين روح الصحراء ونَفَس البحر،
بين حزمِ القائد ورقّة العارف،
بين الأصالة والطموح،
حتى صار رمزًا لنهجٍ لا يموت ..
أن تكونَ قويًا بعدلك، لا بسطوتك.
منذ أن رفع الراية عام ١٧٤٤م،
لم تسقط يومًا، لأنها رُفعت بيدٍ طاهرةٍ تعرف أن الكرامةَ عبادة،
والسيادةَ أمانة،
والوطنَ عهدٌ لا يُؤدَّى إلا بالصدق.
وحين تشرق شمسُ عُمان كلَّ نوفمبر،
يعود صوته من عمق الذاكرة ليقول ..
احملوا الراية كما حملتُها،
فالوطنُ لا يُورَّثُ، بل يُؤمَنُ به.
العهد الذي لا يزول
لقد كان ميلادُ الدولة البوسعيدية لحظةَ إشراقٍ وطنيٍّ فريدة،
خرج فيها الوطن من ضباب الفُرقة إلى وضوح الوحدة،
ومن صمت الأرض إلى صوت البحر.
وما تزال تلك الفكرة، أن يُبنى الوطن بالعقل والعدل والمحبة،
هي النشيدُ الذي يترددُ في سماء عُمان
كلَّما رفرفت الرايةُ على قصر العلم .




























