الصحوة – د.محمد العرب
في صيف عام 1962، قرر العالم الفرنسي ميشيل سيفر Michel Siffre أن يفعل ما لم يفعله أحد قبله: أن ينزل تحت الأرض لا ليهرب من العالم، بل ليهرب من الزمن….!
اختار كهفاً جليدياً في جبال الألب على عمق يتجاوز 100 متر، بلا ساعة ولا ضوء شمس ولا إشارات ليلية أو نهارية، ليعيش 60 يوماً داخل عُتمة لا تعترف بتقسيم البشر للوقت ، الهدف كان بسيطاً ومزلزلاً في آن واحد: إذا أزلنا الزمن الخارجي من حياة الإنسان، فهل يختفي الزمن… أم يظهر بصورته الحقيقية؟
بعد عشر سنوات، في 1972، كرر التجربة في كهف يُعرف باسم Midnight Cave في تكساس، وبقي معزولاً هذه المرة أكثر من 200 يوم. ولاحقاً ، عام 1999، أعادها للمرة الثالثة في نفق جليدي وهو في الستين من عمره، لدراسة ما يفعله الزمن بالعقل حين يتقدّم الجسد في العمر. أصبحت هذه التجارب الثلاث أساساً لعلوم جديدة: علم الإيقاع الحيوي، وعلم الحرمان الحسي، وأبحاث العزلة الفضائية، بل وحتى علم نفس السجون والانفرادي، لأن الزمن لم يعد جزءاً من الفلسفة فقط… بل من علم الأعصاب.
كان سيفر يظن أنه يدرس الزمن، لكنه اكتشف أنه يدرس الإنسان.
حين نعيش فوق الأرض، نتصور أن الزمن شيء خارجي يأتينا مثل الطقس، من الشمس التي تشرق وتغيب. لكن حين دخل سيفر الكهف، أدرك شيئاً لم يكن يتوقعه: أن الدماغ لا يحتاج للشمس كي يقيس الوقت. فحتى في غياب الضوء والليل والساعة والتقويم، ظلّ عقله يفرز دورات نوم ويقظة منظمة، لكنها لم تعد بطول 24 ساعة. لقد تحررت الساعة البيولوجية من العقد الذي فرضه دوران الأرض، وكشفت شكلها الأصلي. لم تعد (يوماً أرضياً) بل (يوماً إنسانياً) أطول، يصل إلى 30 أو 36 ساعة من النشاط، تليها 12 ساعة نوم. وكأن الجسد، حين يتحرر من النظام الخارجي، يعود إلى نظامه الداخلي.
كان هذا أول دليل علمي على أن الزمن الذي نعيشه ليس زمن الطبيعة، بل زمن الدماغ.
فالإنسان لا ينام لأن الليل حلّ، بل لأن الدماغ قرر أن ينتقل من طور الوعي إلى طور الصمت الحيوي. والإنسان لا يستيقظ لأن الشمس أشرقت، بل لأن الدماغ أنهى دورته الكيميائية. الشمس مجرد إشارة، لا محرّك. الزمن الذي ننتظره لا ساعة له إلا داخلنا.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في النوم، بل في الذاكرة. حين سألوه عن تقديره للمدة التي قضاها تحت الأرض، قال إنه يظن أنها 120 يوماً، بينما كان قد تجاوز 180 يوماً لقد خسر 60 يوماً من إدراكه، وكأن الزمن يتسرب حين لا نرى ظلّنا. بدا الأمر وكأن الدماغ لا (يحسب) الزمن بل (يصنعه) ، وأنه حين يفقد الإشارات الخارجية، لا يتوقف، بل يخلط بين الماضي والحاضر، فيخلق زمناً خاصاً به، غير قابل للمقارنة بالعالم الخارجي.
هنا ظهر السؤال الأكثر خطورة: إذا كان الإنسان يفقد القدرة على قياس الزمن عند عزله عن العالم، فهل الزمن جزء من الكون… أم جزء من الوعي؟
تجربة سيفر لم تكن بحثاً عن غرابة، بل عن أصل. أصل الزمن بوصفه تجربة نفسية عصبية، لا تجربة فلكية. فالزمن الذي تقيسه الساعات ليس الزمن الذي يعيشه الإنسان من الداخل. يوجد زمن ميكانيكي تدور فيه عقارب الساعة، ويوجد زمن إدراكي تُنتجه الشبكات العصبية في الدماغ. الأول ثابت، الثاني مرن. الأول كوني، الثاني شخصي. الأول لا يتأثر بنا، الثاني يتشكل بنا.
ولهذا لا يشعر الطفل والزمن واحد، ولا الشيخ والزمن واحد، ولا الخائف والزمن واحد، ولا العاشق والزمن واحد، رغم أنهم جميعاً يعيشون عدد الدقائق نفسها. فالخوف يبطّئ الزمن لأن الدماغ يضاعف الوزن الإدراكي للحظة، والملل يجمّده، والفرح يختصره، والانتظار يمدده. الزمن ليس خطاً ، بل كثافة.
لقد علمتنا التجربة شيئاً لم تفهمه الفلسفة لقرون: ليس الزمن من يمرّ علينا… بل نحن من نمرّ عبره. نحن الكائن الوحيد الذي لا يقيس الزمن بالأحداث، بل يقيس الأحداث بالزمن. في اللحظات الفاصلة — الموت، الولادة، الحب، الفقد — يتوقف الزمن الخارجي ويولد زمن آخر داخلي لا يشبهه. وهنا يفهم الإنسان أن الزمن لا يعيش في الكون… بل يعيش في الدماغ. لذلك قد يتحول يوم واحد إلى عمر كامل… وقد تمرّ عشر سنوات ولا تترك أثراً.
لهذا السبب أصبحت تجارب سيفر مرجعاً للمؤسسات الفضائية: لأن رواد المريخ لن يكونوا داخل فراغ مكاني فقط، بل داخل فراغ زمني. من دون شمس ولا ليل ولا صباح، قد تنهار هوية الزمن، ومعها إحساس الإنسان بوجوده. فالزمن ليس مجرد أداة لقياس الحياة… بل هو شكل من أشكال الوعي بها. من يفقد الزمن، يبدأ بفقد ذاته.
ولهذا السبب نفسه، أصبحت التجربة مرجعاً لطب السجون والانعزال الانفرادي، لأن الدماغ، حين يُترك بلا علامات للوقت، يبدأ باستهلاك نفسه داخلياً. العزلة لا تقتل الجسد… بل تقتل الزمن، وحين يموت الزمن يموت الإنسان وهو ما يزال حياً.
كل علم الأعصاب اليوم يعترف بأن (الساعة البيولوجية) لا تقيس فقط الساعة، بل تنظم الهرمونات والذاكرة والمشاعر والمناعة، وأن اختلال إدراك الزمن يرتبط بالاكتئاب، والانفصال عن الواقع، والخرف المبكر، واضطراب الهوية. فالدماغ الذي لا يعرف كم مرّ من الوقت، لا يعرف من يكون.
والخلاصة الصادمة لم تبرهن تجارب سيفر أن الزمن يختفي في العزلة، بل أثبتت أن الزمن يُصنع داخل الإنسان، لا خارجه. وأننا لا نعيش الزمن الكوني… بل نعيش الزمن العصبي. وأن الساعة التي نحملها في المعصم مجرد شاهد، أما الساعة التي نحملها في الدماغ فهي الحاكم الفعلي لوعينا، ونومنا، وصحتنا، وهويتنا.
فالزمن ليس ما يحدث حولنا، بل ما يحدث فينا وإذا كان العقل قادراً على اختراع زمن بديل حين تُطفأ الشمس، فهذا يعني أن الزمن ليس عنصراً مطلقاً… بل تجربة متحولة. وأن الإنسان، قبل أن يكون ابن الأرض… هو ابن الإيقاع الداخلي الذي ينظم وجوده. عندها نفهم أن سؤال سيفر لم يكن: كيف نحدد الزمن؟ بل: من الذي يحدد من؟ الزمن… أم الإنسان..؟




























