الصحوة – علي الحداد
في حضرة التاريخ التي لا يمحوها الزمن، تبرز لحظات لا تمرّ مرّ العابرين، بل تهبط على الذاكرة هبوط النور، فتغدو علاماتٍ خالدة في وجدان الشعوب. لحظات تولد في الأعماق قبل أن تُثبتها المحاضر الرسمية، وتستقر في القلوب قبل أن تُسجَّل في وثائق القمم. ومن بين تلك اللحظات المضيئة، يسطع ترقّب قدوم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم — حفظه الله ورعاه — إلى المنامة للمشاركة في القمة الخليجية المقررة يوم الأربعاء ٣ ديسمبر ٢٠٢٥.
إن هذا الموعد لا يحمل صفة البروتوكول وحده، وإنما يحمل روح البيت الخليجي حين يجتمع على المحبة، ويتّحد على الحكمة، ويستظلّ بوقار قياداته. فحضور القادة لا يُقاس بخطوات الوصول، وإنما بالمعاني التي يحملونها، وبالثقة التي يبثّونها، وبالرؤى التي تتقدّم أعينهم قبل أن يراها العالم.
والدعوة الكريمة التي وجّهها الملك حمد بن عيسى آل خليفة المعظم، ملك مملكة البحرين الشقيقة، ليست دعوةً رسمية فحسب، وإنما هي جسر محبة يمتد على امتداد التاريخ، وعهد أخوّة يتجدّد، ورابطة ثقة صقلَتها التجارب وتوارثتها الأجيال. إنها دعوة تعبّر عن صفاء العلاقات بين قيادتين جعلتا الخليج نبض القلب قبل أن يكون بندًا في جدول السياسة.
وتتهيّأ البحرين، لؤلؤة الخليج وواحة التلاقي، لاستضافة الدورة السادسة والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون، وهي تستشعر قيمة المناسبة ومكانة ضيوفها. قمة تأتي امتدادًا لمسيرة تكامل رسّختها قمة الكويت في 2024، يوم أرست قواعد التعاون، وعزّزت مسارات الطاقة الخضراء النظيفة والتحوّل الرقمي نحو بناء مستقبل خليجي مستدام، ومهّدت لمرحلة جديدة من البناء المشترك. واليوم، تفتح المنامة ذراعيها لتضيف فصلًا جديدًا من الحكمة والاتزان، فصلًا تنتظره المنطقة بترقّب واثق.
وعند هذا المنعطف تتجلّى ملامح الحضور العُماني الأصيل، وتشرق صورة القائد الحكيم، وتُبحِر الطائرة الماجدة في علوّ السماء، تشقُّ أفق الخليج كوميضٍ يُزهر في الدروب، حاملةً على متنها القائد السلطان هيثم بن طارق المفدى — حفظه الله ورعاه — وإلى جواره وفدٌ مهيب رفيع المستوى يُجسّد حضور الدولة وهيبتها ورؤيتها المتوثّبة. فتتجه الأنظار نحو المنامة مُستبشرةً بقدومه، وكأنّ النور نفسه يرافق خطاه إلى حيث تُصاغ حكمة الخليج.
فلا تأتي عُمان حينها دولةً بين دول الخليج فحسب، وإنما تأتي تاريخًا من الرسوخ، وهويةً من النقاء، وصورةً من الثبات الذي لم تهزّه عواصف السياسة عبر الزمن. عُمان التي بقيت لحنًا يتردّد على المنابر حين يعلو صوت العقل، ونبراسًا يضيء حين تتشابك القضايا، وميزانًا يرجّح كفة الحكمة كلما مالت الموازين.
إن حضور المقام السامي ليس حضور دولة في قمة، وإنما حضور قائد يعيد للأحداث هيبتها، وللقرارات روحها، وللقمّة معناها السيادي الذي لا يكتمل إلا بحضور حكماء الخليج. خطواته تنطق بثقة، وكلماته أحرفٌ من نور، ونظراته تستشرف آفاقًا تُبنى على وعي يمتدّ إلى ما بعد اللحظة.
وعندما يصل سلطان البلاد إلى المنامة، تستعيد القمّة وهجها الأصيل .. لقاءُ إخوة، واتفاق قلوب، واجتماع بيت واحد يتشارك المصير ذاته والأمل ذاته. وفي اجتماع جلالته بإخوانه أصحاب الجلالة والسمو، تتشكّل لوحة خليجية نسجتها وحدة المصير، ست دول بجذور راسخة ورؤية تتجاوز الحدود.
وتحمل مشاركة السلطان المعظم رؤية “عُمان 2040” بما تختزله من طموح تنموي وتطلعات مستقبلية تتناغم مع رؤى دول الخليج .. اقتصادات متنوّعة، شراكات متقدمة، استثمار واعٍ للطاقة، تحوّل رقمي متسارع، وأمن إقليمي يقوم على التعاون والمشاركة والاتزان. إنها رؤية تؤمن أن الخليج نسيج متداخل، يتقوّى بتماسك خيوطه، ويزدهر بتكاتف أبنائه.
وسيناقش القادة ملفات حيوية تشمل التكامل الاقتصادي، والربط الكهربائي، والطاقة، والأمن الإقليمي، والتطورات الدولية، وتنسيق المواقف المشتركة. وفي كل ملف سيُضيف القائد الحكيم عمق الحكمة، ورجاحة القرار، ورؤية تتجاوز دروب اللحظة لتبني مستقبلًا واستقرارًا وازدهارًا.
وهكذا، سيُكتب في ذاكرة الخليج، وفي ذاكرة المنامة خاصة، أن الدورة السادسة والأربعين اكتمل نورها بقدوم السلطان المفدى، وأن البحرين احتضنت يومًا يليق بتاريخها وعمقها، يومًا ارتفعت فيه أنشودة الخليج على إيقاع الحكمة العُمانية. وستُسجّل هذه القمة لا كاجتماع قادة فحسب، وإنما كلقاء قلوب تحمل الخليج في وجدانها، وتصونه برؤى صادقة وإرادة تكتب للغد عنوانه.
وفي رحاب دلمون، حيث يتعانق التاريخ بالنور، تُفتح صفحة جديدة من العمل الخليجي المشترك، صفحة يشرق فيها الخليج بأبنائه، ويزهو بوجدانه، ويكتمل نورها بحضور المقام السامي، حضورٌ يرسم للمستقبل ملامحه، ويمنح المسيرة الخليجية ديمومتها، واستدامتها.
سائلين الله تعالى أن يمدّ سلطان البلاد المفدى بموفور الصحة ودوام العافية، وأن يحفظه بحفظه، ويسدّد خُطاه لما فيه خير عُمان ومنطقة الخليج والجزيرة العربية والعالم أجمع.



























