الصحوة – سعاد الوهيبية
في لحظةٍ ما، يختار القدر أن يطوي صفحةً من صفحات العمر، فتغدو الأصوات التي كانت تملأ الساحات بالثبات، أصداءً تتردّد في وجداننا، كأنها أناشيد لا تنطفئ، يرحل الإنسان، لكن أثره يبقى، يبقى في العيون التي كانت تترقّب حضوره، وفي القلوب التي وجدت عزاءً في كلماته، وفي الأرض التي حملت خطاه شاهدةً على عبوره.
لم يكن رحيل الناطق الرسمي لكتائب عز الدين القسام المكنَى بأبي عبيدة (حذيفة سمير عبدالله الكحلوت) غياباً كاملاً، بل هو تحوّلٌ إلى ذاكرة، ذاكرةٍ تسكن فينا، تذكّرنا أن الكلمة موقف، وأن الصمود لا يُقاس بالزمن، بل بما يتركه من أثرٍ خالد.
كم يشبه الشهيد نجماً يختفي عن الأنظار، لكن نوره يظلّ يضيء سماء الليل، يدلّ التائهين على الطريق، ويمنح العابرين عزيمةً كي لا ينكسروا، ففي كل وداعٍ، نتعلّم أن الحياة ليست سوى رحلة قصيرة، وأن الخلود الحقيقي هو أن تترك وراءك معنى، معنىً يظلّ يرافق الناس، يذكّرهم أن الرحيل جسد، أما الروح فتبقى، تحلّق فوقنا كطائرٍ لا يعرف القيود.
سلامٌ على من رحلوا، سلامٌ على أصواتهم التي صارت قصائد ثكلى، وعلى وجوههم التي صارت صوراً في الذاكرة، وعلى رسائلهم التي تحوّلت إلى عهدٍ لا ينكسر، سلامٌ على ابن حكلوت (صوت المقاومة)، وقادة القسام الأنقياء، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، سلام على أرواحهم الطاهرة وكلماتهم الخالدة، سلامٌ على دمائهم المعطرة برياحين الجنان، فلا نحسبهم إلا شهداء مناضلين صابرين مصابرين عند الله، في منازل العليين والشهداء والصالحين.




























