الصحوة – د. فوزية الشحية
خلال زياراتنا للعديد من الدول وانخراطنا في العديد من الأحاديث يتم في الكثير من الأحيان بتوجيه سؤال مهم لنا من أية دولة أنتم؟ لنجيبهم من محافظة مسندم في سلطنة عمان وهنا وكأن نظراتهم الحائرة تتجه ناحية خارطة العالم للبحث عن هذه البقعة لنرد عليهم سريعا لتبديد حيرتهم أنها شبه جزيرة مطلة مباشرة على مضيق هرمز ليتم التعرف عليها مباشرة لندرك أن هناك أماكن يخلّدها التاريخ، وأخرى تفرضها الجغرافيا، لكن مضيق هرمز ينتمي إلى فئة نادرة من المواقع التي تشكل حضورها في الوعي العالمي بفعل الإعلام بقدر ما تشكل بفعل التاريخ والجغرافيا. فبالنسبة لملايين البشر حول العالم، لم يكن مضيق هرمز تجربة مكانية أو معرفة تاريخية مباشرة، بل صورة ذهنية صنعتها نشرات الأخبار والعناوين العاجلة والتقارير الدولية المتلاحقة على امتداد عقود.
فبينما تنشغل التقارير الدولية بحركة السفن وأسواق الطاقة والتوازنات الجيوسياسية، ثمة جانب آخر قلما يجد طريقه إلى العناوين الرئيسية، فعلى ضفاف هذا المضيق يعيش أبناء محافظة مسندم الذين لا يرون هرمز مجرد ممر استراتيجي أو نقطة توتر محتملة، بل جزءًا من حياتهم اليومية وذاكرتهم الجماعية و بالنسبة لهم، لا يبدأ هرمز من الخرائط العسكرية ولا ينتهي عند التقارير الاقتصادية، بل يمتد إلى تفاصيل المعيشة والعمل والتراث البحري والعلاقة التاريخية مع البحر التي شكلت هوية المكان وسكانه عبر الأجيال.
ومن المفارقات اللافتة أن اسم هرمز أصبح مألوفًا لدى المتابعين في مختلف أنحاء العالم أكثر من أسماء مدن ومناطق عديدة في الإقليم، رغم أن أغلب هؤلاء لم يطالعوا تاريخه، ولم يتعرفوا على مجتمعاته المحلية، ولم يزوروا محافظة مسندم التي تشكل إحدى أهم بواباته الجغرافية، فلقد عرفوا هرمز من خلال الخبر، لا من خلال المكان وما حول المكان.
ومع كل أزمة سياسية أو أمنية تشهدها المنطقة، يعود المضيق إلى صدارة المشهد الإعلامي العالمي ، بحيث تتجه إليه عدسات القنوات الإخبارية، وتتسابق التحليلات في تفسير انعكاسات التطورات على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة والتوازنات الإقليمية. وبمرور الوقت، تشكلت صورة ذهنية تكاد تختزل المضيق في كونه عنوانًا للتوتر أو مؤشرًا لقياس مستوى الاستقرار في المنطقة دون النظر الى التداعيات المهمة الأخرى.
غير أن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل هذه هي الصورة الكاملة لهرمز؟
في الواقع، لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي أو نقطة عبور للتجارة العالمية، بل يشكل فضاءً تاريخيًا وحضاريًا ارتبط عبر قرون طويلة بحركة التبادل التجاري والتواصل الإنساني والثقافي بين الشعوب. وقد شهدت مياهه وسواحله تفاعلات حضارية أسهمت في تشكيل جانب مهم من تاريخ المنطقة البحري والاقتصادي، قبل أن يصبح محورًا دائمًا في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة.
وبينما يستمر مضيق هرمز في استقطاب اهتمام العالم مع كل تطور سياسي أو أمني، تبقى هناك قصة أخرى أقل حضورًا في العناوين العاجلة وأكثر رسوخًا في الواقع؛ قصة الإنسان الذي عاش على ضفافه، والمجتمع الذي تشكلت هويته في ظلاله، والوطن الذي جعل من موقعه الاستراتيجي جسرًا للتواصل لا ساحةً للصراع.




























