الصحوة : علي الحداد
في عالم السياسة كثيراً ما تنشأ العلاقات من المصالح، ثم تبحث بعد ذلك عما يمنحها الاستمرار. غير أن العلاقة بين سلطنة عُمان ودولة الكويت سلكت طريقاً مختلفاً، إذ بدأت من القرب الإنساني قبل لغة المصالح، ومن المودة قبل حسابات المكاسب، ثم جاءت السنوات لتبني فوق ذلك الرصيد الأخوي مساحات أوسع من التعاون والعمل المشترك. ولهذا لم تكن هذه العلاقة مجرد صفحة في السجل الدبلوماسي الخليجي، بل تحولت مع الزمن إلى واحدة من أكثر التجارب الخليجية نضجاً وقدرة على التجدد.
وفي الجبل الأخضر، حيث ترتفع القمم بهدوء نحو السماء، وحيث تتعانق المدرجات الزراعية مع سفوح الجبال كما لو أنها سجل مفتوح لجهد الأجيال المتعاقبة، انعقدت أعمال الدورة الحادية عشرة للجنة العُمانية الكويتية المشتركة. ولم يكن المكان مجرد إطار يحتضن اللقاء، بل بدا أقرب إلى صورة تختصر جوهر هذه العلاقة، علاقة تراكمت ملامحها طبقة فوق طبقة، وجيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الخليجية المشتركة، ومن الحكايات الجميلة التي ازدادت عمقاً كلما أضافت إليها الأعوام صفحة جديدة.
ومنذ تلك الأيام البعيدة كان البحر يؤدي دوره في بناء العلاقة، يقرّب السواحل كما تقرّب الألفة بين القلوب، ويحمل بين أمواجه ما يشبه دبلوماسية فطرية سبقت السياسة بسنوات طويلة، حتى غدا البحر نفسه شاهداً على قصة تقارب كُتبت أول سطورها بالمراكب والأشرعة قبل أن تُكتب لاحقاً بالاتفاقيات واللجان المشتركة.
فما بين مسقط والكويت أكثر من علاقة بين عاصمتين شقيقتين، إنها حكاية ممتدة في الوجدان الخليجي، عبرت أجيالاً متعاقبة دون أن تفقد دفئها. وما بينهما لم يتأسس على حسابات تبحث عن مكسب، بل على معرفة طويلة بطباع بعضهما البعض، وألفة صنعتها الأعوام، وتقدير متبادل رسخته المواقف. ولهذا بقيت العلاقة قادرة على التجدد كلما تقدمت بها السنين، وكأن كل جيل كان يسلّم ما بناه إلى الجيل الذي يليه دون أن ينقطع الخيط الممتد بينهما.
ولذلك بدا انعقاد الدورة الحادية عشرة للجنة العُمانية الكويتية المشتركة حلقة جديدة في مسار لا يعرف التوقف عند ما تحقق. فالعلاقات الراسخة لا تكتفي بما أنجزته، بل تظل تبحث في كل مرحلة عن آفاق أرحب للتعاون، وعن مساحات جديدة تضيف إليها ما يعزز حضورها وقدرتها على التقدم. ومن هنا تستمد مثل هذه اللقاءات أهميتها، فهي لا تعيد تأكيد ما هو قائم فحسب، بل تفتح المجال لما يمكن أن يُبنى عليه لاحقاً.
وتتجلى هذه الرؤية في ظل الرعاية الكريمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وأخيه حضرة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت الشقيقة ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث يلتقي الجانبان عند قناعة راسخة بأن العلاقات الأخوية لا تُصان بالاحتفاء بما تحقق، وإنما بقدرتها على فتح آفاق جديدة للتنمية والتكامل وصناعة الفرص.
ولم يكن حديث معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية عن تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي وتبادل الخبرات والتجارب حديثاً عن قطاعات متفرقة بقدر ما كان تعبيراً عن رؤية متكاملة لمستقبل العلاقة بين عُمان والكويت. فبرامج التعاون وخطط العمل المشتركة التي أشار إليها تعكس قناعة راسخة بأن ما يجمع البلدين لم يعد يقتصر على عمق الروابط الأخوية، بل يمتد إلى بناء مساحات أوسع من التكامل وتبادل المعرفة وصناعة الفرص، بما يجعل العلاقة أكثر قدرة على مواكبة تطلعات المرحلة المقبلة.
ومن الجانب الكويتي، جاءت كلمة معالي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير الخارجية لتضيف بعداً آخر إلى هذه الصورة. فحين استحضر مرور خمسة وخمسين عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين عُمان والكويت، لم يكن يستدعي رقماً في سجل العلاقات بقدر ما كان يستحضر تجربة خليجية نادرة استطاعت أن تحافظ على دفئها وهي تتسع، وعلى قربها وهي تزداد نضجاً. فبعض العلاقات يطول عمرها، لكن القليل منها فقط ينجح في أن يضيف إلى كل مرحلة معنى جديداً دون أن يفقد شيئاً من روحه الأولى.
وتعني هذه العقود الممتدة أجيالاً كاملة كبرت وهي ترى الكويت حاضرة في الوجدان العُماني، وترى عُمان قريبة من القلب الكويتي. وتعني أيضاً أن الجانبين عبرا معاً محطات مختلفة من تاريخ المنطقة، محتفظين بذلك الخيط الهادئ من التفاهم الذي منح العلاقة ثباتها وقدرتها على الاستمرار جيلاً بعد جيل.
وحين دوّن معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي ومعالي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح توقيعيهما الكريمين على مذكرة التفاهم في مجال الأمن السيبراني والبرنامج التنفيذي في مجال التقييس، لم يكن ذلك سوى امتداد لمسار بدأ قبل عقود وما زال يكتب فصوله. فبعض العلاقات تكتفي بأن تتذكر تاريخها، أما العلاقات الأكثر نضجاً فتضيف إلى ذلك التاريخ في كل مرحلة معنى جديداً، وتفتح من خلاله أبواباً أوسع نحو المستقبل.
وربما لهذا السبب يصعب اختزال العلاقة بين عُمان والكويت في قصة نجاح دبلوماسية. فهناك علاقات تحفظها المصالح، وأخرى تحفظها الذكريات، أما بين مسقط والكويت فقد اجتمع الأمران في مسار واحد جعل من القرب المتوارث بين الأجيال طاقة للبناء، ومن الإرث المشترك جسراً إلى آفاق جديدة. ولذلك لم يكن الماضي في هذه العلاقة شيئاً يُستدعى للحنين، بل رفيقاً يواصل السير إلى جانب المستقبل، يذكّر كل مرحلة بما صنعته سابقتها، ويمنح كل صفحة جديدة ما يصلها بما قبلها.




























