حصريٌّ لـ«الصحوة» – في خطوة جديدة نحو ترسيخ حضور سلطنة عُمان على خارطة المال والاستثمار، أصدر حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – أمرًا سلطانيًا ساميًا بتعيين وتسمية أعضاء مجلس إدارة مركز عُمان المالي العالمي، ليدخل المشروع الوطني الاستراتيجي مرحلة أكثر تقدمًا في مسار التأسيس، تمهيدًا للتدشين المبدئي لأعماله بنهاية هذا العام.
ويأتي تشكيل مجلس الإدارة برئاسة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ليمنح المركز دفعة مؤسسية مهمة، خصوصًا أن المجلس يضم نخبة من القيادات الحكومية والمالية والاستثمارية والتنظيمية، من بينها معالي سلطان بن سالم الحبسي وزير المالية نائبًا للرئيس، ومعالي عبدالسلام بن محمد المرشدي رئيس جهاز الاستثمار العُماني، ومعالي أحمد بن جعفر المسلّمي محافظ البنك المركزي العُماني، إلى جانب سعادة محمود بن عبدالله العويني، وسعادة ملهم بن بشير الجرف، وخبير دولي مستقل.
ويعد مركز عُمان المالي العالمي أحد أبرز المشاريع الاقتصادية التي تراهن عليها سلطنة عُمان في المرحلة المقبلة، إذ تأسس بموجب المرسوم السلطاني رقم 2026/8، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويتبع نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. وينشأ المركز في مدينة العرفان بمحافظة مسقط، مع إمكانية اتخاذ مقار أخرى يصدر بتحديدها وتنظيمها مرسوم سلطاني.
ويهدف المركز إلى ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمركز مالي عالمي رائد، يستند إلى ركائز الاستقرار والنزاهة والعلاقات الدولية الراسخة، إلى جانب دعم التنويع الاقتصادي المستدام، وتعزيز مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي، واستقطاب رؤوس الأموال والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية، والترويج لسلطنة عُمان كوجهة استثمارية جاذبة وفق أرقى المعايير العالمية.
ويكتسب المركز أهميته من كونه ليس مجرد منطقة أعمال مالية، بل منظومة قانونية وتنظيمية متكاملة، إذ يعمل وفق إطار قانوني مستند إلى مبادئ القانون العام، ويتكون من ثلاث هيئات رئيسية هي: هيئة مركز عُمان المالي العالمي، وهيئة تنظيم مركز عُمان المالي العالمي، وهيئة حسم المنازعات في المركز، مع إمكانية إنشاء هيئات أخرى بموجب قوانين المركز.
وتتولى هيئة المركز إعداد وتنفيذ الاستراتيجيات والسياسات العامة والخطط الخاصة بالمركز، وتسجيل منشآته، وإقامة البنى الأساسية، والإشراف على تشغيلها وإدارتها وصيانتها، وتوفير الخدمات الإدارية والفنية، والترويج للمركز عالميًا، بما يجعلها الذراع المؤسسية المسؤولة عن بناء البيئة التشغيلية للمركز.
أما هيئة تنظيم المركز، فتتولى تنظيم الخدمات المالية والخدمات المساندة، وتسجيل المنشآت المرخصة، والقيام بمهام الجهة الرقابية في ما يتصل بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية في البيئة التنظيمية للمركز.
وتختص هيئة حسم المنازعات بتقديم الدعم لمحاكم المركز، وضمان استقلالها، وإنشاء دوائر تسوية المنازعات الإدارية ولجان حسم المنازعات بالوسائل البديلة غير القضائية، إلى جانب الإشراف على خدمات التحكيم والوساطة داخل المركز. كما تتألف محاكم المركز من محكمة ابتدائية ومحكمة استئناف، وتصدر أحكامها باسم السلطان.
ويفتح القانون المجال أمام منشآت المركز لممارسة مجموعة واسعة من الخدمات المالية، تشمل المصارف، والصيرفة الإسلامية، والتأمين، وإدارة الاستثمار، وإدارة الأصول، والصناديق الاستثمارية، وأسواق المال، وتقديم الاستشارات ذات الصلة بإدارة الأصول والوساطة، إلى جانب الخدمات المساندة التي يتم الترخيص بها من قبل هيئة تنظيم المركز.
ومن بين الجوانب اللافتة في قانون المركز ما يرتبط بالحوافز والإعفاءات الضريبية، إذ تنص المادة 55 على سريان إعفاءات لمدة لا تتجاوز 50 عامًا من تاريخ العمل بالقانون، مع إمكانية منح مزايا وإعفاءات ضريبية إضافية لأي من منشآت المركز بقرار من وزير المالية وفق الضوابط التي يصدرها المجلس بالتنسيق مع الجهات المختصة. كما يعتبر المركز منطقة خاصة لأغراض تطبيق قانون ضريبة القيمة المضافة فيما يتعلق بالتوريدات المعفاة والتوريدات التي تخضع للضريبة بمعدل الصفر بالمائة.
ويمنح القانون كذلك حماية قانونية مهمة لمنشآت المركز وأموالها وأموال العاملين فيها الخاضعة لتشريعات المركز، إذ لا يجوز تأميمها أو فرض الحراسة عليها أو الحجز عليها أو تجميدها أو التحفظ عليها أو مصادرتها إلا بحكم أو أمر قضائي صادر عن محاكم المركز، باستثناء الديون الضريبية المستحقة للدولة.
ويحمل المركز بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار المحلي، إذ يأتي تأسيسه انسجامًا مع رؤية عُمان 2040، وبما يسهم في تعزيز التنويع الاقتصادي وتطوير قطاع الخدمات المالية، وترسيخ موقع سلطنة عُمان باعتبارها منصة موثوقًا بها للربط بين أسواق دول مجلس التعاون وجنوب آسيا وشرق أفريقيا، وفق أفضل المعايير الدولية.
ومع تسمية مجلس الإدارة، ينتقل مركز عُمان المالي العالمي من مرحلة التأسيس القانوني إلى مرحلة بناء الأطر التشريعية والتنظيمية والتشغيلية، بما يمهد لتدشينه المبدئي بنهاية العام الجاري، ويفتح أمام سلطنة عُمان مسارًا جديدًا لتعزيز حضورها الاقتصادي والمالي، وجذب الاستثمارات النوعية، وبناء قطاع مالي أكثر تنافسية وانفتاحًا على الأسواق العالمية.




























