عمر الفارسي
بعض الحكايات تبدأ مشوارها معنا في سنٍّ صغيرة كما الأحلام ، وحلم جبل الزعتري باغتني في أحد السنون المبكرة عندما كنت أشاهد بذاخته وإطلالته الشامخه على ولاية قريات ، فبات هدفي الأسمى الوصول لقمته البالغة 1300م ، وتحقق في صباح ذاك اليوم المعهود بتاريخ 4/1/2019 حيث أنطلقنا والفريق المكون من خمسة أشخاص في العاشرة صباحًا من منطقة مداوه القابعة في ولاية قريات بعد التجهيز التام للمسار من معدات التخييم والتزود بالغذاء والماء اللازمان لمسار يستغرق يومان ، متجهين نحو مكان المبيت لليلة الأولى ، والذي يتطلب الوصول إليه ما يقارب الثمان ساعات بمسافة سبعة كيلومترات على ارتفاع 1150 م عن مستوى سطح البحر . والجميل بعد إجتياز مشقة اليوم الأول أن الموقع يطل من الغرب على منطقة حيفظ ومن الشمال على السيفه ، ومن شدة إنبهارنا بالمناظر المثيرة لم نحتمل تأجيل مشاركتها مع الناس عبر مواقع التواصل الإجتماعي مما جعل المتابعون متلهفين للمزيد متسائلين بشدة حول التفاصيل ، إلى أن جاءنا اتصال من عمي سلمان حيث أنه من المهتمين بالطقس وتقلباته يحذرنا بإحتماليه تشكل السحب المنخفضه في الصباح الباكر على الجبل مما قد يسبب إنعدام للرؤية وقطع المسار .
استيقظنا صباحًا على مشهد الغيوم الزاحفة علينا والتي أولدتها الرياح الشمالية الباردة كأحد أجمل المشاهد وسامة ، والذي كان يحتم علينا إتخاذ قرار سريع إما التراجع أو إكمال ما قد بدأناه والمغامرة وسط العقبات المختبئة المغلفة بالسحب والدروب الوعرة .
قررنا متكاتفين أن نتحدى صعوبة الموقف ونكمل معتمدين على ذاكرة القائد ونظام الملاحة ، ورغم استمرارية نزول السحب الكثيفة إلا أننا قاومنا بإصرار ، ونسبة للطبيعة الجغرافية وتنوع الحياة الفطرية ما كان يغفر للمسار صعابه هي المناظر الخلابة ، حيث الزعتر المتناثر بين صخور الجبل الذي تعزو تسميته له ، والنباتات المختلفة ذات الرونق الأخاذ كالتين الجبلي ، ومرورًا بثنايا الجبل يخطفك طيف الغزلان وصدى حوافرها بين الصخور ، والطيور المختلفة التي تمتعت بالعزلة نتيجة لأجواء الجبل وعدم توفر الموارد ، فسبحان الخالق كيف أبدع في تقاسيمه ووهب هذا الجبل كل هذا الحسن .
وبعد مشقة الصعود المرهقة وصلنا بهمة عالية للقمة بقطع مسافة حادة بلغت عشرة كيلو مترات بإرتفاع 1300متر ، والمفاجأة كانت بإطلالة القمة الفاتنة ، كأنها شرفة طبيعية بمنظر بهي على شاطىء راس أبو داوود برماله البيضاء وانعكاس الشمس الخلاب الذي شكل لوحة متكاملة استثنائية ، وعاودنا النزول لقريات نحو وادي الرحبه مكملين ثلاثين كيلو متر من المشي مفتقرون للماء والراحة ، وسط منازل قبيلة الشنوي المتهالكه ، الذي يشكل لهم هذا الوادي مصدر معيشة لهم و لأغنامهم ، حيث البساطة التامة في الحياة البعيدة كل البعد عن ملوثات الطبيعة ، تزودنا بالماء منهم وأكملنا ما تبقى من المسار في الوادي الذي يتميز بعمقه والجلاميد الصخرية التي تكسوه ، مما خلق فيه سحر جميل للناظرين .
الجدير بالذكر أن الجّواب لهذه الرحلة كان القائد أحمد هلال السناني الذي زار جبل الزعتري برفقتنا للمرة السابعة ، وأرشدنا بالتعليمات اللازمة والمسار الآمن من خبرته السابقة ، كما أطلعنا على كل ما يخص الزعتري لزيارته مرة أخرى .
وما أُحب أن أُشير إليه في مقالي هذا أن قريات أيقونة الجمال المهمشه ، التي لا يعرف ما بجعبتها إلا من يقطن بقراها النائية ، ومن ابتغى اكتشافها دون دراية عن تفاصيلها ، وأنوّه أن مساراتها ليست بيسيره على من يزورها للمرة الأولى ولابد أن يتمتع الشخص بلياقة بدنية جيدة تسانده على الصعود ، كما أننا وكممثلين للمنطقة نسعد بأخذ كل من يريد زيارتها بصدر رحب .




























