الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
أثناء دراستي لدبلوم القانون العام في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، وبعد اجتياز الامتحان التحريري كان علينا اجتياز امتحان شفوي أيضاً، وفي مادة العميد الاستاذ الدكتور سليمان محمد الطماوي، رحمه الله، دخلت الامتحان مع أخ عماني عزيز، مّتعه الله بالصحة والعافية، وهو شاهد على هذه الواقعة، وأظنه يتذكّرها، إذْ بدأ أستاذنا يلقي أسئلته على كل واحد منا، وإذا به يسألني سؤالاً مفاجئاً من خارج المقرر، يسألني عن رأيي في قيام الوحدة اليمنية بين شطريها الشمالي والجنوبي، فكانت اجابتي على النحو التالي: – الوحدة لن تقوم، وإن قامت فلن تدوم !!!!
شكلت إجابتي تلك صدمة وانزعاجاً شديداً للفقيه الدستوري الراحل، بل ولجميع الحاضرين، وكان لا بدّ بل ومن اللازم عليّ تبرير تلك الإجابة غير المتوقعة.
لا بدّ من التنويه أولاً، أنني لست ضد هذه الوحدة، ولا لغيرها من المحاولات الوحدوية الإقليمية أو الثنائية بين الدول العربية، ولكنني انطلقت من أسباب واقعية، تمس الواقع في المجتمع اليمني المختلف بين الشطرين، متمثلة في اختلاف الأيديولوجية السياسية والاجتماعية بين كل شطر وآخر ، ذلك أنّ تركيبة وايديولوجية الشطر الشمالي قبلية عشائرية، فالولاء للزعامات القبلية أسبق وأقوى عن الولاء للدولة، ويكفي أن تذكر مثالاً على ذلك قبيلة آل الأحمر، وإذا ما وجد التنظيم الحزبي فيكاد يكون صورة طبق الأصل للتنوع القبلي والتحالفات القائمة على أساسه . في حين أن الأيديولوجية السياسية في الشطر الجنوبي من اليمن فكانت – أنذاك – ما تزال متشبعة بالأفكار الشيوعية والاشتراكية الموروثة عن الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية، إلى جانب القومية العربية والناصرية والبعثية، ورموز هذه الأيديولوجية من أمثال علي ناصر محمد، وعلي سالم البيض، وحيدر أبوبكر العطاس وغيرهم يشكلون رقماً صعباً يصعب تجاوزه، ناهيك عن التنظيم الحزبي الذي يختلف تماماً تقنياً وفنياً عن التنظيم الحزبي القائم في الشطر الشمالي .
ربما لم يكن حاضراً حينها في ذهني، مسألة التوازنات الإقليمية لسببين : جارتا اليمنيين هما المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، ولا توجد نوايا لدى الدولتين لوأد الوحدة من ناحية، ولرغبة وتعطش الشعوب العربية لقيام الوحدة العربية الشاملة من ناحية أخرى، ولم يكن لشياطين الإنس في تلك الفترة التاريخية حضوراً بعد، لا على أرض الواقع، ولا حتى على البال.
قامت والحمد لله الوحدة بين الشطرين في ٢٢ مايو ١٩٩٠م تحت مسمى الجمهورية العربية اليمنية، وتولى رئاسة الجمهورية الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، فيما تولى منصب نائب الرئيس علي سالم البيض، إلا أنه وبسبب استئثار الشطر الشمالي بالسلطة، وعدم إعطاء الشطر الجنوبي الاهتمام الكافي في توزيع التنمية والموارد الاقتصادية،قامت حرب الانفصال من قبل الجنوبيين في الثاني من مايو ١٩٩٤م أي بعد حوالي أربع سنوات من قيام الوحدة، واستمرت هذه الحرب حتى يوليو من ذات العام، حين استطاع علي عبدالله صالح السيطرة على الأمور وفرار قادة الانفصال إلى خارج البلاد .
بقي الحال مستقراً إلى حد ما رغم وجود تيارات معارضة للوحدة في الداخل والخارج، وفي هذه الأثناء دخلت السلطة الشرعية واعتباراَ من عام ٢٠٠٤م، حروباً مع الحوثيين أو ما يسمى بجماعة أنصار الله، بدأت في صعدة وامتدت إلى الجوف وحجة وعمران، كما استولى الحوثيون على جبل الدخان في منطقة جازان عام ٢٠٠٩م ، الأمر الذي دفع بالمملكة العربية السعودية إلى مهاجمتهم، وساعدت السلطة الشرعية اليمنية في حربها ضد الحوثيين، ناهيك عن الحرب على فلول تنظيم القاعدة المتواجدين هناك .
كُتب على اليمن السعيد ألا يكون سعيداً كما كان، فمع اندلاع ما سمي بثورات الربيع العربي في عام ٢٠١١م، نال اليمن نصيباَ وافراً منها، فعمّت المظاهرات والاعتصامات وجُيشت الجيوش والحشود، هذا استعراض للمعارضة وذاك استعراض للسلطة، ولم تتمكن هذه الأخيرة من معالجة الأوضاع، ممّا سبّب فشلاً في الحياة بشكل شبه كامل، وتخندق كل فريق في ميدانه، ما دفع دول مجلس التعاون الخليجي لبذل أقصى جهودها من أجل التوفيق بين الطرفين من خلال الاتفاقية الخليجية التي تضمنت عدة بنود، لعلّ أهمها تنازل الرئيس علي عبداللة صالح عن السلطة لنائبه منصور هادي، ووقعت الأطراف على الاتفاقية بما فيهم الرئيس صالح .
وبتواضع جم، أعتقد أنّ الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته دول مجلس التعاون هو السماح لصالح بالبقاء داخل اليمن، مما ساهم في عرقلة تنفيذ بنود الاتفاقية والعمل على إفشالها، وهذا ما دفعه للتحالف مع أعداء الأمس، الحوثيون، ودارت احداث المعارك من جديد ونالت يد الغدر من الرئيس صالح على يد حلفائه الحوثيين أنفسهم، في عملية لا تزال خيوطها غامضة حتى الآن .
استشعرت المملكة العربية السعوديه الخطر على أمنها فقادت تحالفاً عربياً ضمّ في بداياته إلى جانبها، كلاً من الإمارات العربية المتحدة، وقطر ، والبحرين ، والكويت ومصر ودولاً اخرى، فشنّ التحالف عملية عاصفة الحزم عام ٢٠١٥م في مساندة للسلطة الشرعية ضد جماعة أنصار الله، وهنا وجدت إيران فرصتها للتدخل إلى جانب الحوثيين، كما دخل على الخط حزب الله اللبناني إلى جانب هؤلاء، واختلط الحابل بالنابل، ورغم القوة الجوية الضاربة للتحالف إلا أنّ السلطة الشرعية تقهقرت كثيراً واستولى الحوثيون على العاصمة صنعاء وباتت السيطرة ظاهرة لهم على معظم أرض الشمال اليمني .
تفكك التحالف العربي فقد طردت منه قطر، وامتنعت مصر عن المشاركة الفعلية، وكذلك فعلت الكويت، ولم يبق في هذا التحالف سوى المملكة العربية السعوديه والإمارات العربية المتحدة .
وإذا كانت أهداف السعودية واضحة من هذه الحرب وهي الدفاع عن أمنها ومصالحها باعتبارها على حدود تماس مع اليمن وقد بدأ الحوثيون بضرب بعض المناطق السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة، فالخطر واضح، وللسعوديين الحق في الدفاع عن أمنهم الوطني، وبالتالي فإن موقفهم مفهوم وله مبرراته. إلا أنني في الجانب الآخر لا أجد أي مبرر لدولة الإمارات في الدخول في حرب في اليمن،
وإذا كان موقف السعودية قد يكون مفهوماً رغم عدم قناعتنا بحل الأمور بالحرب التي طال أمدها، ولم تحقق نصراً واضحاً لطرف دون آخر، إلا أن موقف الإمارات العربية المتحدة غير مفهوم على الإطلاق، فلا تربطها حدود مع اليمن، ثمّ أنها تبدو في الظاهر مع السعودية في دعم السلطة الشرعية، لكنها تقوم بخلاف ذلك تمامًا، فهي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، ويقوم قادته بإعلان لاءاتهم وولاءاتهم من أبوظبي، وتعمل بلا هوادة على شراء ولاءات زعماء القبائل الأخرى، وتتمدد في بسط نفوذها عنوة على موانيء وجزر الشطر الجنوبي، وهو ما يتنافى مع أهداف عاصفة الحزم التي تقودها السعودية، إلا إن كان للإمارات أهدافها وأجندتها الخاصة، وهذا ما يترتب على السعودية أن تتحمل عبئًا قانونياً وأخلاقياً أمام القانون والمجتمع الدوليين باعتبارها قائدة هذا التحالف، وعليها أن تقوم بدورها، لأنها الوحيدة المسؤولة عن سلامة ووحدة أراضي اليمن وشعبه دون غيرها.
وبالنسبة لإيران وحزب الله اللبناني فأعتقد جازمًا أن رهاناتهم على مد نفوذهم في اليمن من خلال دعم الحوثيين ستكون خاسرة، لاعتبارات منطقية تتمثل في خصوصية المجتمع اليمني، ذلك أنّ اليمنيين ليست لديهم ولاءات عقائدية مذهبية بقدر ولاءاتهم القبلية، فما أن تنتهي الحرب سيعود الجميع إلى سيرتهم الأولى، بل إن تلك التدخلات الخارجية لن تكون لها موطيء قدم على الأرض اليمنية . هكذا هم اليمنيون عبر التاريخ.
إنّ الفوضى العبثية العارمة في الحرب اليمنية هو الوصف الأقرب لما يدور هناك، فاليمنيون على ثلاث فرق، الحوثيون، وما تبقّى من السلطة الشرعية، والمجلس الانتقالي الذي يسعى إلى انفصال الجنوب، هذا إلى جانب بعض المليشيات المتناثرة هنا وهناك، التي في نظري ليست مؤثرة في سير الأحداث.
متى ستنتهي هذه الفوضى العبثية في الحرب اليمنية ؟ الم تكفِ هذه الدماء التي أريقت من كل الاطراف، والجرحى والمصابون والمشردون والأرامل والجوعى والأطفال اليتامى والذين لا يجدون لقمة العيش ؟ ألم يقتنع الجميع أن لا غالب ولا مغلوب ولا حل إلا بالحوار الهاديء الموضوعي الذي يحفظ حقوق الأطراف الفعلية في هذه الحرب المجنونة ؟ ثلاثون سنة واليمن في حروب متتالية، جعلته يعود للوراء ما يزيد على قرن من الزمان .
أتمنى بكل صدق ومن كل قلبي، ألا تحدث توقعاتي التي كانت قبل ثلاثين سنة من الآن .



























