الصحوة – د.حمد ين ناصر السناوي
في الأسبوع الماضي انتشر خبر انتحار طالبة جامعيّة بعد أن قامت بنشر تغريدتها الأخيرة على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” ذكرت فيها الظروف التي تمر بها في ثلاث صفحات مكتوبة بخط اليد، و بعيد عن الخوض في تفاصيل الحادثة من باب احترام الخصوصيات، وبعيدًا أيضا عن الردود المتضاربة التي تلت التغريدة بين متعاطف مع المرحومة والألم النفسي الذي كانت تعانيه، وبين ناقم على “مجتمع ذكوري يكبت المرأة ويحرمها من أبسط الحقوق” كما ورد في أحد التغريدات، وآخر متسارع لتوجيه أصابع الاتهام تارة نحو الأهل وتارة أخرى نحو مواقع التواصل وما ينشر فيها من أفكار داعية للفساد، حسب قوله بينما إنشغل البعض بمحاولة تحليل شخصية الفتاة والحكم على درجة إيمانها. لن أعلق على هذه الآراء و سأكتفي بالحديث عن الانتحار كسلوك يقوم به الفرد عادة بعد أن يفقد الأمل في الخروج من داومة الألم الذي يعيشه.
لم تتوقف التغريدات على حادثة الانتحار بل شملت التعليق على دور الأطباء النفسيين والأختصاصين النفسيين، بعض القراء قام بالتشكيك في الخبرات وإتهامهم بالجري وراء المال ورسوم الاستشارة والترويج لأفكار هدامه تزعزع أمن المجتمع وتماسكه، لمثل هؤلاء نقول اذا كان لديكم أدلة تقدموا بها إلى القضاء وإلا توقفوا عن توجيه الاتهامات والتقليل من شأن الاخرين.
من خلال عملي في الطب النفسي قابلت مرضى من مختلف الأعمار والجنسيات، بعضهم أقدم على محاولة الانتحار بعد أن ضاقت به السبل، والبعض نجى في آخر لخطة؛ لأن إرادة الله لم تشأ أن يموت، ورغم الفكرة السائدة أن المسلم لا يُقدم على الانتحار إلا أن البعض يصل إلى درجة من اليأس لا يستطيع أن يتخذ قرارات عقلانية مهما كانت درجة إيمانه.
هل يا ترى من الحكمة نشر تفاصيل الحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ شخصيا لا أحبذ ذلك احترامًا لخصوصية الفقيدة وأسرتها كما أن النشر له إثاره السلبية خاصة على الأشخاص الذين يعانون من أفكار انتحارية، فمثل هذه الرسائل قد تمثل تشجيعا على الانتحار، ولا ننسى أن اهل الفقيدة يمرون بظروف صعبة، فليس من العدل أن ينبش كل من استطاع التغريد في خصوصياتهم.
ولنكن عمليين، دعونا نسرد بعض الدروس التي يمكن أن نتعلمها من هذه الحادثة ..
أولًا علينا التحاور مع أبنائنا و بناتنا والانتباه إلى الأفكار التي تصل إليهم عبر القنوات الإعلامية المختلفة، أو ببساطة نطمئن عليهم، فبعض الشباب والمراهقين يعاني من ضغوطات سواء في الدراسة أم العمل أم العلاقات العاطفية التي قد تدفعهم للتفكير في الانتحار ، فقد ثبت علميا أن التحاور وتقديم الدعم النفسي من الوالدين أوالمختصين يساعد في تخطي الأزمات وتجنب الانتحار .
ثانيا، لابد من توفير العدد الكافي من الاختصاصين النفسيين المدربين و المرخصين لتقديم الدعم النفسي، فالأمر لا ينتهى عن مقابلة الأختصاصي النفسي أو الطبيب النفسي بل توجد خطوات لتقييم والتعامل مع المريض الذي يعاني من أفكار انتحارية ليتخطى الأزمة بسلام، لذا يجب التركيز على تدريب وتأهيل الاختصاصيين النفسيين وتوفير الإشراف حتى أثناء ممارستهم المهنة؛ للتأكد من توافر الخبرات للتعامل مع الحالات الصعبة.
ثالثا ، توفير خط ساخن للأفراد الذين يعانون من أفكار إنتحارية على يتم الإشراف على هذا الخط من قبل أختصاصين مدربين في مهارات التواصل يقومون بتوصيل الشخص مع خدمات العلاج النفسي.
رابعا ، لا تزال الصحة النفسية من الموضوعات المرتبطة بوصمة العار ولا يزال البعض يجهل أبسط الحقائق عن المرض النفسي ويروج للأفكار الخاطئة التي تمنع الفرد من طلب المساعدة من المختصين.
ختاما ، لنتذكر أهمية التراحم والاحترام المتبادل بيننا و ننتبه إلى ما يقال في مواقع التواصل الاجتماعي، فحرية التعبير عن الرأي لا تعني تجريح الاخر والتقليل من شأنه ، أحيانا عديدة تصبح الكلمة كالرصاصة حين تطلق لا تسترد .



























