الصحوة: عبدالله الريسي
كلما نظرت إلى واقع اللغة العربية في زماننا هذا، شعرت أنني لا أقف أمام لغة فحسب، بل أمام مرآة أمة كاملة؛ مرآة تكشف ما كان، وما أصبح، وما يمكن أن يكون.
فاللغات ليست حروفًا تُرصف في الجمل، ولا أصواتًا تتردد في المجالس، وإنما هي صورة الأمم في التاريخ، وانعكاس مكانتها بين الشعوب، وترجمة قوتها أو ضعفها، وصعودها أو أفولها.
وحين أتأمل العربية، لا أراها لغةً عادية مرت بين صفحات الزمن كما مرت آلاف اللغات، بل أراها قصة حضارة كاملة، سطرت وجودها على وجه الأرض بحبر العلم، ونقشت أثرها في ذاكرة الإنسانية بمداد الفكر والمعرفة.
أراها لغة خرجت من قلب الصحراء، ثم ما لبثت أن أصبحت لسان العالم المتحضر، حتى غدت كلماتها تعبر القارات كما تعبر الشمس الآفاق.
كان هناك زمنٌ لم تكن العربية فيه لغة العرب وحدهم، بل لغة العلماء والفلاسفة والأطباء والباحثين والمفكرين من شتى الأمم والأجناس.
كانت لغة من أراد أن يعرف، ومن أراد أن يكتشف، ومن أراد أن يضيف سطرًا جديدًا إلى كتاب الحضارة الإنسانية.
كانت اللغة التي تُفتح بها أبواب المكتبات، وتُفك بها أسرار العلوم، وتُكتب بها النظريات، وتُترجم إليها كنوز الأمم، ثم تُعاد إلى العالم أكثر نضجًا وإشراقًا.
في ذلك الزمن، لم يكن العالم ينظر إلى العربية بوصفها لغة محلية تخص قومًا بعينهم، بل كان ينظر إليها كما يُنظر إلى الشمس؛ مصدرًا للنور الذي يبدد ظلمات الجهل.
وكانت مدن الإسلام قبلة للعقول قبل أن تكون قبلة للرحلات.
كانت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة تنبض بالحياة الفكرية، وتتدفق فيها المعرفة كما تتدفق الأنهار في مواسم الخصب.
وكان القادم من أقاصي الأرض يعلم أنه إن أراد أن ينهل من معين العلم، فعليه أن يتعلم العربية أولًا.
لم يكن ذلك فرضًا سياسيًا، ولا امتيازًا قسريًا، وإنما كان اعترافًا طبيعيًا بمكانة لغة أصبحت وعاء الحضارة الأكبر في عصرها.
ولهذا كان كثير من الأجانب يعودون إلى أوطانهم وفي ألسنتهم كلمات عربية يتباهون بها، ويتحدثون بها بفخر واعتزاز، لأن تلك الكلمات كانت شهادة غير مكتوبة على أنهم اقتربوا من مركز العلم والمعرفة.
كان الإنسان يومها يزداد رفعة كلما اقترب من العربية، واليوم أصبح بعض الناس يظنون أنهم يزدادون رفعة كلما ابتعدوا عنها.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل.
ففي الأمس، كانت الأمم تتعلم العربية لتدخل عالم الثقافة والعلم.
أما اليوم، فأصبح بعض أبناء العربية يزاحمون لغتهم بألفاظ أجنبية في كل حديث، وكأن الكلمات العربية لم تعد قادرة على حمل المعاني، أو كأن الثقافة أصبحت تُقاس بمدى امتلاء الحديث بالمفردات الدخيلة.
حتى بات المرء يسمع في بعض المجالس كلامًا يبدأ بالعربية وينتهي بلغة أخرى، وكأن المتحدث يخجل من اكتمال لغته، أو يشك في قدرتها على التعبير.
ولست أرى في تعلم اللغات الأجنبية نقصًا، بل أراه قوة وضرورة ونافذة على العالم.
فالأمم الحية تتعلم من الجميع، وتأخذ من الجميع، وتخاطب الجميع.
غير أن الفرق شاسع بين أمة تتعلم لغة أخرى لتزداد قوة، وأمة تتعلم لغة أخرى لأنها فقدت ثقتها بلغتها.
إن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما هي وعاء الروح الجماعية للأمة.
هي الذاكرة التي تحفظ تجارب الأجيال، والجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، والوعاء الذي تتشكل داخله الأفكار والمفاهيم والرؤى.
وحين تضعف اللغة في النفوس، لا يضعف اللسان وحده، بل يضعف الشعور بالانتماء، ويبهت الإحساس بالهوية، وتتآكل الروابط الخفية التي تجمع أبناء الأمة الواحدة.
ولعل أعظم ما يميز العربية أنها لم تكن يومًا لغة قوة مادية فقط، وإنما لغة رسالة ومعنى.
فقد ارتبطت بكتاب مقدس يتلوه مئات الملايين، وحملت تراثًا أدبيًا وفكريًا هائلًا، واحتضنت من الشعر والحكمة والفلسفة والعلم ما جعلها واحدة من أعظم اللغات التي عرفتها الإنسانية.
إنني أؤمن أن أزمة العربية اليوم ليست أزمة لغة، وإنما أزمة وعي.
فالعربية ما زالت قادرة على أن تكتب بها أعظم الأفكار، وأن تصاغ بها أدق العلوم، وأن تُبنى بها أرقى الآداب.
العربية لم تفقد قدرتها على العطاء، وإنما بعض أبنائها هم الذين فقدوا ثقتهم بعطائها.
فاللغة لا تضعف لأن حروفها هرمت، وإنما تضعف حين ينسحب منها أهلها.
واللغة لا تموت لأن قاموسها فقير، وإنما تموت حين يعتقد أبناؤها أن الحياة لا تكون إلا بلسان غيرها.
وحين أقرأ التاريخ، أدرك أن سر قوة العربية لم يكن في حروفها وحدها، بل في الأمة التي حملتها.
كانت العربية قوية لأن أهلها كانوا منتجين للعلم، صناعًا للحضارة، بناةً للمعرفة.
كانت اللغة تسير في موكب القوة الحضارية، فاحترمها العالم واحترم أهلها.
وهذا هو الدرس الذي يغيب عن كثيرين؛ فاللغات لا تفرض هيبتها بالخطب والشعارات، وإنما تفرضها الأمم حين تتفوق في ميادين الفكر والعلم والإبداع.
إن استعادة مكانة العربية لا تكون بالبكاء على الماضي، ولا بالاكتفاء بترديد أمجاد الأسلاف، وإنما بإحياء الأسباب التي صنعت تلك الأمجاد.
أن ننتج المعرفة كما أنتجوها، وأن نبدع كما أبدعوا، وأن نؤمن بلغتنا كما آمنوا بها.
عندها فقط ستعود العربية إلى مكانها الطبيعي، لا مجاملةً من أحد، ولا منحةً من أحد، وإنما استحقاقًا تاريخيًا وحضاريًا.
وسيأتي يوم يدرك فيه أبناؤها أن العربية لم تكن عبئًا عليهم كما ظن بعضهم، بل كانت أعظم ما يملكون.
وسيكتشفون أن اللغة التي حملت القرآن، وصاغت حضارة امتدت قرونًا، وأضاءت للعالم دروب العلم والمعرفة، ليست لغة تحتاج إلى من يمنحها القيمة، لأنها كانت وما زالت قيمةً في ذاتها.
فالعربية ليست مجرد لغة نتحدث بها…
إنها ذاكرة أمة، وصوت حضارة، وهوية تاريخ، وراية مجد.
وحين نفقد ارتباطنا بها، لا نفقد كلمات فحسب، بل نفقد جزءًا من أنفسنا.


























