الصحوة – مريم بنت أحمد المرشوديّة
ينتمي الكاتب فهد بن هلال المعشري إلى جيل الشباب العمانيين الذين آمنوا بأن النص هو السفير الحقيقي لصاحبه، وهو واحد من الأقلام العمانية الرصينة التي أثرت المشهد الأدبي المعاصر من خلال روايته (حرزة) التي لاقت إقبالاً كبيرًا من قبل القراء الشغوفين، ومقالاته التحليلية والفكرية التي غاصت في العمق في سبيل البحث عن الحقائق، ينال فهد المعشري تقديرًا كبيرًا من القراء والمثقفين، حيث الأداء اللغوي المتين والتواضع الفني الجارف.
حرزة قرية بمسقط القديمة في حرز البحر والجبال.. وحصار الأماكن هو انعكاس لحصار الأفكار
-جغرافيا حرزة.
س: في روايتك اخترت اسماً لافتاً وهو (حرزة) ليكون مسرحاً لأحداثك.. بعيداً عن الرواية، أين هي (حرزة) الحقيقية في حياة فهد المعشري؟ وما هي الروافد التي شكلت وعيك الأول وصاغت متانة لغتك الرصينة التي نلمسها في نصوصك؟
ج: بيئة القرية التي نشأت فيها هي من أوحت إلي باسم حرزة. إذ أنها كانت قريةً ساحلية في مسقط القديمة تحيط بها الجبال من ثلاث جهات ويتكفل البحر بالجهة الرابعة. فهي في حرزهم؛ أي في حرز الجبال والبحر. وأما اللغة فلا علاقة لها بالقرية -وإن احتفظت القرية ببعض المصطلحات الفصيحة- فأمي معلمة لغة عربية، وأنا قارئ مخلص للأدب العربي ومهتم بدراسة اللغة العربية وما تعلق بها من علوم.
-حصار الفكر.
س: في حرزة الجبال تحاصر القرية من ثلاث جهات والبحر من الرابعة.. هل هذا الحصار المكاني كان انعكاساً لحصار الفكر والأعراف التي انتقدتها في الرواية؟ وهل ترى أن هذا الحصار خاص بحرزة وحدها أم هو ممتد لبيئات أخرى؟
ج: صحيح. وهذا الأمر ليس حكرًا على هذه القرية الموصفة في الرواية فقط. فمن وجهة نظر أخرى أتبناها؛ فإن القرى العمانية المنعزلة سواء كانت ساحلية أو جبليةً أو أي مكان آخر: في جانب من جوانبها هي ذاتها حرزة ويوجد فيها ما هو موجود في حرزة من أفكار وأعراف تحيط بالإنسان وتشكل واقعه!
التطلع للكمال يجعل الكتابة “محاولة” مستمرة … وتقبل الاختلاف منهجي لمد جسور التعارف
-فلسفة المحاولة.
س: تصف نفسك في الملف التعريفي بمنصة الإنستغرام بأنك “أقلي يحاول الكتابة” رغم إصدارك لرواية رصينة كـ حرزة؛ لماذا يصر فهد المعشري على صفة المحاولة؟ وهل تخشى اللحظة التي تشعر فيها أنك أصبحت كاتباً مكتمل الأدوات؟
ج: لأن الإنسان بطبيعته متطلعٌ إلى الكمال، وهذا التطلع يضفي على كل فعل صفة المحاولة. ولا أخشى في الحقيقة تلك اللحظة لأنها -على حسب ما أفهمه عن الكتابة- لحظةٌ لن تأتي. فالأمر بالنسبة لي كما قال القاضي الفاضل:” إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلاَّ قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ”.
-منهج التعارف
س: تؤمن بأن “تقبل الاختلاف بداية التعارف”؛ في زمن الصراعات الفكرية، كيف يمارس فهد المعشري هذا المبدأ في سلوكه المعرفي؟
ج: أتعاطى مع الأمر وفق إطارين؛ قول الله تعالى: “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”. وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “من تعلم لغة قومٍ أمن مكرهم”. وقدوتي في ذلك الإمام الغزالي رحمه الله، فأنا كثير البحث فيما يخص المذاهب والعقائد والثقافات المختلفة. ولي بعض المقالات التي نشرتها في هذا الجانب.
نهجي الإعلامي يتسق مع رؤيتي… واقتنائي لأمهات الكتب يشبع شغفي التاريخي والأدبي
-فلسفة الاختفاء
س: أنت كاتب مُقل في الظهور الإعلامي، هل هذا نوع من الاحتماء بالصمت، أم أنك تؤمن بأن النص يجب أن يتحدث نيابة عن صاحبه؟
ج: لا صمت لمن أصدر كتابًا يُقرأ، ومن الممكن أن يكون الخيار الثاني هو الأقرب للحقيقة إذا حصرنا الأمر في هذين الخيارين. وقد يلاحظ قارئ حرزة أني ما وصفتُ لشخصياتها ملامحًا شكلية، وإنما اكتفيت بوصف طباعهم وأفكارهم. وهذا قد يكون متسقًا مع النهج الذي ارتضيته لنفسي في مسألة الظهور الإعلامي.
-معايير الاقتناء
أنت مقتني شغوف للكتب من معارض الكتاب؛ ما هو المعيار الذي يجعلك تقرر أن هذا الكتاب يجب أن يغادر رف المكتبة ليدخل بيتك؟
أصنف أسباب اقتناء الكتب إلى ثلاثة أسباب؛ الأول الحاجة البحثية، والثاني إرضاء رغبتي في توسيع مكتبتي وامتلاك أمهات الكتب وخصوصًا الكتب التاريخية والأدبية العربية القديمة، والثالث استغلال الفرص التي تتيحها معارض الكتب المستعملة كفرصة اقتناء الكتب بأثمان زهيدة وفرصة العثور على العناوين النافدة من السوق.
هناك مقولات معبرة وأبيات شعرية تمنيت لو أنها صدرت مني… وأعمل في الوقت الراهن على كتابي الثاني بريجة
-مقولات تأسرني
س: من بين آلاف المجلدات والنوادر الثقافية؛ هل هناك عمل أدبي استوقفك لدرجة أنك تمنيت لو كان يحمل اسم فهد المعشري؟
ج: لا يوجد كتاب تمنيت لو أنني من كتبه. ولكن هناك مقولات معبرة وأبيات شعرية تمنيت لو أنها صدرت مني. كقول أعرابي ذكره أبو حيان في البصائر لما تذكر قومًا: “هرمت بعدهم الدنيا”. وقول أعرابية لما سمعت كلامًا أعجبها: “هذا كلامٌ يشبع منه الجائع”. وقول ابن بقي القرطبي:
“أبعدته عن أضلعٍ تشتاقهُ
كيلا ينام على وسادٍ خافقِ”.
-مشروع بريجة
س: كتبتَ في ملفك الشخصي بوعود الواثق: “سأكون كاتباً بإذن الله”. اليوم والجمهور يترقب بشغف ما بعد حرزة، هل اقتربت اللحظة التي ستقول فيها لقلمك انطلق ليعلن عن ولادة عمل جديد؟ وهل سيكون هذا العمل هو المحطة التي يعلن فيها فهد المعشري لنفسه: الآن أصبحتُ كاتب؟
ج: أعمل في الوقت الراهن على كتابي الثاني وهو كتاب “بريجة”. وأحاول جاهدًا أن يتفوق على “حرزة”. أما الإعلان عن كوني أصبحت كاتبًا فهذا أمرٌ لا أعلمه حتى الآن.

























