خاص بالصحوة –
المعمري للصحوة:
- أدركت أنه ينبغي أن يكون هناك أكثر من أحمد.
- إدارات الصحف في المقام الأول هي المسؤولة عن انتشار السرقات الفكرية والأدبية وعلى رأسها رؤساء التحرير.
- أحد رؤساء التحرير رفع عليَّ قضية في الادعاء العام بدلاً من رفعها على المنتحِلين في صحيفته الذين أساؤوا لمصداقيتها.
- في خضمّ هذا السجال شبه اليومي حول السرقات الأدبية والفكرية اقتنعت إحدى الجامعات المرموقة في السلطنة بأهمية إخضاع منتسبي الماجستير والدكتوراه لديها لبرنامج كشف الانتحال ((Turnitin.
- تفشّى السرقة في مكانٍ ما وتكون مقبولة ومبررة يعني أننا فقدنا المبرر الأخلاقي لوجودنا.
الانتحالات الصحفية جريمة أخلاقية قبل أن تكون جريمة بموجب القانون، ومع ذلك تنتشر الانتحالات في صحفنا المحلية هذا حسب ما يرصده الإعلامي سليمان المعمري، والذي يشاركنا في حوار الصحوة ليكشف دوافعه وراء رصد الانتحالات في الصحافة المحلية ورأيه بما يحدث.
أكثرمن أحمد!
يستعيد سليمان المعمري البدايات مع رصد الانتحالات في الصحافة المحلية ويعود بنا إلى عام 2015، حيث كانت البداية مع مدونة إلكترونية تحمل اسم انتحالات لصاحبها المترجم والمدون الدكتور أحمد المعيني، فيقول: “بدأ الأمر بالضبط منذ ثلاث سنوات، عندما أسس الصديق أحمد المعيني مدونته الإلكترونية “انتحالات” وبدأ يكشف فيها شيئا فشيئا بعض السرقات في صحافتنا المحلية، وكانت تلاقي صدى وارتياحًا كبيرًا من متابعيه – وأنا أولهم – ويتم نشرها عبر صفحات الفيس بوك، كنتُ أشارك منشورات المدونة في صفحتي على الفيس بوك، وأدافع عن أحمد ضد الهجوم الذي يتعرض له ممن يفضح انتحالاتهم”، ويذكر أنه كان مدركًأ حاله حال غيره من متابعي هذه المدونة بأهمية المبادرة التي قام بها أحمد المعيني: “كنتُ – كما كثيرين – أدرك أهمية ما كان يفعله أحمد المعيني في مدونة “انتحالات”، وضرورة استمراره”، إلا أن هذا الإدراك لم يرافقه عمل مماثل: “كنا منخرطين معه، لكنه كان انخراطا سلبيا إن جاز التعبير، بمعنى أننا كنا فقط نصفق لما يفعله أحمد ولكننا لا نفعل شيئا لمساعدته، وكأن هذا الأمر فرض كفاية، وكان طبيعيًا أن تتكالب عليه المشاغل والمسؤوليات فيخفت عمله في المدونة”.
وبعد أن خفت عمل المدونة أدرك سليمان المعمري وصديقه سعود الزدجالي وغيره ممن يؤمن بأهمية مدونة انتحالات أن أحمد وحده غير كاف: ” أدركت أنه ينبغي أن يكون هناك أكثر من أحمد في أمر مهمّ كهذا، وربما شاركني هذا الإدراك صديقنا الدكتور سعود الزدجالي، فبدأنا نكشف في صفحتينا – أعني سعود وأنا، وآخرين بدرجة أقل – بعض السرقات الصحفية والأدبية”.
تصرف مسؤول وشجاع
يذكر المعمري أن البداية المنتظمة لرصد الانتحالات في الصحافة كانت قبل عام وأربعة أشهر، وتعود هذه البداية لحادثة انتحال حدثت في ملحق أشرعة الثقافي وانتهت باعتذار وإعادة نشر المادة من جديد باسم وصورة صاحبه الأصلي: “الرصد المنتظم لديّ أستطيع أن أقول إنه بدأ منذ حوالي سنة وأربعة أشهر، من خلال منشور في الفيس بوك أشكر فيه ملحق “أشرعة” بجريدة الوطن على اعتذاره لشاعر سعودي، بسبب نشر الملحق قصيدةً في عدد 16 أبريل 2017 تحمل اسم وصورة شاعر شعبي عُماني، في حين أنه بُعَيْد نشر القصيدة كشف أحد الشعراء العمانيين أن القصيدة مسروقة من الشاعر السعودي، فرحت بالتصرف المسؤول والشجاع – والنادر للأسف – من محرر “أشرعة” بالاعتذار في العدد التالي ونشر القصيدة من جديد باسم وصورة الشاعر السعودي وشاركتُ الموضوع في صفحتي، ومن هنا بدأتْ قصتي بالرصد المنتظم للانتحالات في صحافتنا المحلية”.
إدارات الصحف سبب!
يحمّل المعمري إدارات الصحف وعلى رأسها رؤساء التحرير مسؤولية تفشي ظاهرة الانتحالات في الصحافة العمانية، فيقول: “الأمر كله بأيديهم لو أرادوا وقف هذا الانتشار المخزي للسرقات والانتحالات، بوسعهم استكتاب كتّاب محترمين مشهود لهم بالفكر والثقافة والنزاهة بدلاً من فتح جرائدهم (للمتردية) و(النطيحة) توفيراً لمبلغ الاستكتاب، بمقدورهم إيقاف التعامل بحزم وصرامة مع كل كاتب يُفضَح انتحاله عوضاً عن مكافأته بالاستمرار في الكتابة وكأن انتحالاً لم يكن، باستطاعتهم – وهذا هو الأهم- نشر اعتذار لقراء صحفهم بعد كل فضيحة انتحال، تخفف الأمر على هؤلاء القراء وتجعلهم يشعرون أن الصحيفة تراعيهم وتحترمهم، أو أنها على الأقل غير راضية بما حصل ولا متواطئة مع المنتحِلين، بوسع رؤساء التحرير أيضاً وقف (اللوبيات) التي يشكّلها بعض مسؤولي صفحات الرأي، والتي تحابي كتّابا معينين لأسباب لا علاقة لها بالرأي ولا بالكتابة الصحفية”، ويوضح المعمري استياءه من تصرفات بعض من إدارات الصحف حيث كان لها دور في أن تمر بعض الانتحالات الصحافية مرور الكرام وكأن شيئًا لم يحدث “من المضحك والمثير للسخرية أن مراسل إحدى الصحف العُمانية كوفئ بعد انتحاله في تقرير بمنحه عمودًا صحفيا يكتب فيه!”، ويضيف: “ولستُ مبالِغاً، ولا مجافياً الصواب إذا قلتُ إن بعض حالات الانتحال حصلتْ بسبب واسطة رؤساء التحرير لكتّاب للنشر في صحفهم، وهذه المعلومات توصلتُ إليها بعد الكشف عن هذه الانتحالات”.
ولا يبريء المعمري القراء من هذه المسؤولية قائلا: “لاحظتُ تهاوناً كثيراً من بعض القراء في مسألة الملكية وحقوق المؤلف، بل إن بعض هؤلاء يستميتون في الدفاع والتبرير للسرقات الفكرية وتهوينها، هؤلاء أيضًا لهم دور في انتشارها”.
المسؤولية المهنية مفقودة
وعن ردة الفعل التي تلقاها المعمري إثر مبادرته في كشف الانتحالات بالصحافة المحلية من قبل الصحف التي رصد فيها هذه الحالات بأن أغلبها كانت سلبية، فيقول: “ردة فعل سلبية للأسف، ولا تتحلى بالمسؤولية المهنية في المجمل كانت هناك حالات مكابرة وعناد تدفع هذه الصحف إلى تجاهل أي حالات انتحال وتشجيع مرتكبيها على تكرارها، وهو ما حصل فعلاً لدى أكثر من منتحِل”، ويوضح رده ذاكرًا بعض المواقف التي حدثت له: “مثلاً أحد رؤساء التحرير رفع عليَّ قضية في الادعاء العام بدلاً من رفعها على المنتحِلين في صحيفته الذين أساؤوا لمصداقيتها، ورئيس تحرير آخر اتصل بي هاتفياً ليهددني ويتوعدني طالباً مني (بتعبير أدق آمراً إياي) أن أستثني جريدته من كشفي لأي انتحال، ثمة صحفيون كانوا أصدقائي ثم انقلبوا عليَّ بسبب كشفي للانتحالات في صحفهم”، مع ذلك يذكر المعمري أن هناك بعض المواقف النادرة التي تعاملت فيها الصحف مع حالات الانتحالات التي رصدت فيها، إلا أن التعامل كان على استحياء واقتصر على إيقاف المنتحلين: “وحتى في الحالات النادرة التي تم فيها إيقاف بعض المنتحِلين فقد جرى ذلك بتكتّم شديد من هذه الصحف وبدون إي إشعار للقارئ ناهيك عن الاعتذار له، وهو أمرٌ خاطئ، فلا القارئ عرف أنك أوقفتَ المنتحِل ليحترم ما فعلتَ، ولا المنتحِلون الآخرون عرفوا بذلك ليعتبروا ويتعظوا بما حصل لزميلهم فيتوقفوا عن الانتحال”.
الأغلبية الصامتة
يذكر المعمري أن مواقف الكتاب والصحفيين من المبادرة قد تباينت بين مؤيد ومعارض، وعن المؤيدين يقول: “قليل منهم كان يؤيدني علناً في مبادرتي، والبعض كان يؤيدني سرًا حيث حسابات الربح والخسارة مع رؤساء التحرير”، ويضيف بأن المؤيدين قد يتفاعلون مع بعض من منشوراته الخاصة برصد الانتحالات: “ومن الصحفيين من كان يتفاعل مع منشوراتي حين يكون الانتحال يخصّ صحيفة غير صحيفته، ويصمت تمامًا عندما يتعلق الأمر بصحيفته، وأنا أتفهم هذا الأمر على أية حال”، وعن المعارضين يقول: “هناك صحفيون جاهروا باستيائهم مما أفعل وشككوا في نواياي وطالبوني بالتوقف”، وبين هذا وذاك تبرز الأغلبية الصامتة: “غير أن معظم الصحفيين كانوا صامتين ويتفرجون من بعيد كمن يتابع مباراة كرة قدم غير مهمة”.
تأثير تفاعل القراء
لتفاعل القراء أثر في تصحيح بعض السلوكيات في الصحافة، هذا ما يوضحه المعمري حيث يقول: “القراء هم من أفتخر بهم وأعوّل عليهم، بل وأحتمي بهم، كان تفاعلهم الكبير سببًا في تصحيح بعض الأمور الخاطئة في الصحف، صحيح أنها – أي الصحف – كانت وما زالت تكابر وتصطنع عدم الاكتراث، ولكني كنت ألاحظ من متابعتي الدؤوبة لها أن ثمة صحفيين وكتّابًا فيها اضطروا مُرغَمين لذكر مصادرهم في مقالاتهم وتقاريرهم، وصاروا أكثر حذرًا من الوقوع في الانتحال وإن كان هذا على نحوٍ فردي للأسف”، ويضيف: “الصحف نفسها اضطرت للتخلي عن بعض كتّابها ممن وجدتْ صعوبة في تغطية شمس انتحاله بغربال، بل إن التأثير امتد إلى أبعد من الصحف، حيث أنه في خضمّ هذا السجال شبه اليومي حول السرقات الأدبية والفكرية اقتنعت إحدى الجامعات المرموقة في السلطنة بأهمية إخضاع منتسبي الماجستير والدكتوراه لديها لبرنامج كشف الانتحال ((Turnitin وهو ما أبلغتهم به في تعميم مكتوب”.
خطر على المجتمع
يصف المعمري الانتحالات في الصحافة بأنها لا تقل خطورة عن السرقات التي تحدث في المال العام والممتلكات الخاصة: “السرقة وتفشّيها هي أخطر ما يمكن أن يمرّ بأي مجتمع، السرقة بوجه عام وليس فقط السرقة في الصحافة، فالسرقة لا تعني فقط سرقة البيوت والممتلكات والمال العام، ولكن أيضًا سرقة الأفكار والكلمات، وهو الأمر الذي لا يقل خطورة”، ويوضح بأن الانتحال يضع الأمور في غير أماكنها: “انتحال الأفكار يعني سطو المنتحِل على جهد غيره بدون بذل أي مجهود، يعني استحواذه على مكانة أدبية واجتماعية وأحياناً وظيفية لا يستحقها، يعني وضع الأمور في غير أماكنها المناسبة، وهذا هو أكبر خطر على أي أمة”.
وعن خطورة انتشار الانتحالات في الصحافة يقول: “أن تتفشّى السرقة في مكانٍ ما وتكون مقبولة ومبررة ولا أحد يرفع عقيرته بمجرد الاحتجاج عليها يعني أننا فقدنا المبرر الأخلاقي لوجودنا”، ويضيف عن مخاطر الانتحالات: “التضليل الذي يقع فيه القارئ عندما ينظر لهذا الكاتب المنتحِل على أنه مفكر وفيلسوف وجدير بالاقتداء في حين أنه ليس سوى لصّ، وحالة فقدان الثقة بالصحافة بعد ذلك عندما يكتشف القارئ أن ما تقدمه له بصفة شبه يومية ليس سوى أفكار وكلمات مسروقة”.
من أمن العقوبة أساء التصرف
وللحد من مخاطر الانتحالات الصحفية، يقول المعمري بأن القضاء هو الحل العاجل: “القضاء وحده – في ظل تراخي مسؤولي الصحف – هو القادر حاليًا على الحدّ من هذه الظاهرة، على اعتبار أن من أمِن العقوبة أساء التصرّف، وسُرّاق الكلمة آمِنون مطمئنون في صحفنا للأسف الشديد لأنهم يُشَجَّعُون على ذلك”.
ويعوّل المعمري على دور الادعاء العام في ذلك فيقول: “يقع على الادعاء العام دورٌ كبير، فمن اختصاصاته أن ينوب عن المجتمع في المطالبة باقتضاء حق العقاب، والمختص الوحيد في تحريك رفع ومباشرة الدعوى الجزائية دون غيره، وقد نصت على ذلك المادة 4 قانون الإجراءات الجزائية، كما إن المادة 49 من قانون (حقوق المؤلف والحقوق المجاورة) الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (2008/65) تنص على أنه (يباشر الادعاء العام التحقيق الجنائي فيما يصل إلى علمه من جرائم تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون دون حاجة إلى شكوى من صاحب الحق أو من يمثله أو من طلب من الجهات الحكومية المعنية)، عندما تُرفع قضايا على هذه الصحف ومنتحِليها ويتم تغريمهم مبالغ مالية طائلة فإنهم سيفكرون ألف مرة قبل أن يستسهلوا نشر مقال منتحَل”.
ويؤمن المعمري بأنه من المهم زيادة وعي القائمين على الصحف والعاملين عليها حول خطورة الانتحالات الصحفية: “لا بد من زيادة الوعي للصحف ومحرريها ولا أستثني رؤساء ومدراء التحرير بخطورة الانتحال، وبأنه جريمة لا تختلف البتة عن جريمة سرقة المال العام، وأنه يجب عدم التهاون في معاقبة أي منتحِل، كما يجب أن تُكرَّس لدى هذه الصحف ثقافة الاعتذار عن الخطأ وتصحيحه بدلاً من المكابرة والعناد الأجوف”.
مسؤولية مشتركة
ويذكر المعمري بأن محاربة هذه الآفة مسؤولية مشتركة بين الجميع: “ما عانى منه أحمد سابقاً هو بالضبط ما أعانيه أنا اليوم، تنميطي في هذا الأمر واعتباري المتخصص في كشف الانتحالات وكأن البقية فقط مهمتهم التصفيق، ولا تقع عليهم أي مسؤولية أخلاقية في كشف ما يتوصلون إليه بل إن بعضهم يريدني خوض معركته الشخصية ويظلّ هو متفرجاً رغم أن موضوع السرقة الأدبية يتعلق به هو؛ لذا فإنني أشدد أننا لن نتقدم أبداً في محاربة هذه الظاهرة المستشرية ما دام سليمان المعمري فقط هو المعني بها، بل ينبغي أن نشارك فيها جميعاً، ونتخلى عن سلبيتنا تجاه ما نكشفه من انتحالات”.
ويعتقد المعمري بأن تطوير نظام التعليم سيساهم في محاربة ظاهرة الانتحالات فيقول: “تطوير النظام التعليمي، والذي كان له دور في (شرعنة) الانتحال إن جاز التعبير من خلال ما كان يطلبه المدرّسون من تلاميذهم من إعداد بحوث جاهزة ملفّقة من مكتبات قرطاسية متخصصة في القص واللصق، هذه البحوث التي جعلت الطالب يشعر منذ نعومة أظفاره بأن الاستيلاء على جهد الآخرين ونسبته إلينا هو أمر عادي جدًا، بل هو السبيل إلى النجاح والدرجات المرتفعة، لذا ينبغي محاربة هذه الظاهرة، وسحب التراخيص عن المكتبات القرطاسية التي ترتكب هذه الأفعال المشينة”.
أمنية قد تتحقق
يشاركنا المعمري أمنيته قائلا: “أتمنى أن يأتي اليوم الذي أرى فيه ازدياد عدد من يفضحون مثل هذه الانتحالات لكي لا يكون الأمر معتمداً على شخص وحيد ينتهي مشروعه بمجرد فتوره عنه، ولن تتحقق هذه الأمنية إلا بوعي المجتمع حول خطورة الانتحالات والسرقات الأدبية والفكرية، ومن وجهة نظري زيادة الوعي لدى المجتمع بخطورة السرقات الأدبية والفكرية، لكي لا نجد من يبررها ويدافع عنها مستقبلا هو الحل الأهم للحد من هذه الآفة”.


























