الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
قد يكون الكلام أحياناً أمراً يفرضه الواجب وتحتمه الضرورة ، مع العلم المسبق لصاحبه بأنّ جدواه تبدو ضئيلة جداً ؛ إما لأنّ من يوَجَّه إليه الكلام من النوع الذي يستهويه عالم ” الأنا ” ولا شيء غيرها، فتجده لا يلقي بالاً لرأي أو نصيحة أحدٍ غير ذاته ، فالقول ما يقوله ، والرأي ما يراه ، وكل الآراء المخالفة لن يجعل لمسمعه لها طريقًا ؛ فكل حواسه لغير ما يراه أو يقوله .
إنني أخاطب وأقصد هنا وزارة التربية والتعليم ، فكم من الآراء والمناشدات قد طرحت في وسائل الإعلام المختلفة لإعادة النظر في المنظومة التعليمية بكاملها ، وإشراك كافة الأطراف بما فيها المجتمع في صياغة منظومة تعليمية جديدة ، تتواكب مع معطيات المرحلة الحالية والمستقبلية ، وتلبي متطلبات النهضة المتجددة ورؤية عمان ٢٠٤٠ ، التي يعوَّل عليها الكثير من الآمال والتطلعات ، إلا أنّ الجهة المختصة هذه ، يبدو أنها قطعت عهداً على نفسها بعدم الالتفات لكل ما يكتب أو يسمع لأنها الجهة الوحيدة التي تقدر المصلحة والاختصاص ولا يوجد من له حق منازعتها في هذا الجانب . إنني أراها متخلفة عن ركب النهج المنشود ، في حين كانت يجب أن تكون المنظّرة وواضعة الخطط الكفيلة بتحقيق ألأهداف المرجوّة للخطط العامة وليس للخطط التربوية فحسب ، التي هي أساس كل خطة .
ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة ، بمنشور يتضمن قرار الوزارة المذكورة بلزوم بقاء طلبة صفوف ٥-١١ في المدرسة بعد الانتهاء من أداء امتحانات النقل ، لإكمال اليوم الدراسي في موعده المعتاد ، وتم التلويح بتطبيق لائحة شؤون الطلاب في حالة مخالفة ذلك ، وعلّل القرار بأن الهدف من ذلك هو إبعاد الطلاب عن القلق النفسي الذي تسببه الامتحانات .
لا اعلم العبقري الفذ صاحب هذا الرأي اللبيب ؟!.
وإذا كان المسؤولون في وزارة التربية والتعليم ، يُؤمنون بالعقل والمنطق فسنحاورهم من هذه الزاوية ، وإن كنت أعتقد أن لا عقل ولا منطق مع من نخاطبهم ، وهذا من واقع الأفعال المحبطة التي هي بعيدة كل البعد عن المنطق :-
أولاً : هذه الامتحانات التي يخضع لها الطلبة والطالبات هي امتحانات نهاية الفصل الدراسي ، الذي يُفترض أنهم درسوه وفرغوا منه وها هم يمتحنون فيه . أخلص من هذه النقطة أن المقررات الدراسية استكملت ولم يتبق شيء منها ، فما الذي سيتم تدريسهم حتى يمكثوا بعد الامتحان .
ثانياً :- العقل والمنطق يقولان ، بأنّ الطلبة أرهقوا في المذاكرة وأرهقوا في أداء الامتحان ، واقصد بالإرهاق هنا الإرهاق الذهني والنفسي ، فهل بقيت لديهم طاقة يمكن الاستفادة منها ، وبطابع الحال حتى بعد الامتحان فهم يفكرون في مضمون إجاباتهم ، مع أقرانهم، كما أنهم يفكرون في الامتحان التالي .
ثالثاً :- يحتاج الطالب بعد أداء الامتحان إلى وقت من الراحة ، ثم بعد ذلك البدء في مذاكرة المادة التالية ، وبقاء الطلبة في فصولهم حتى نهاية الدوام المعتاد ، يعني عودته إلى منزله متأخراً ، وستكون ما بين الساعة الثانية والثالثة عصراً ، ألا يحتاج وقتًا للغداء والراحة قليلاً؟! فماذا بقي لديه من الوقت لاستجماع ذهنه لتدارس المادة التالية للامتحان وهو مطلوب منه النوم باكراً، إذْ الحافلات المدرسية تبدأ في نقل الطلاب من الساعة السادسة فجراً ، وفي الأماكن البعيدة قبل هذا الموعد بكثير .
رابعاً :- من الذي أفتى وأفنى عقله ، لبتمخض ويتفتق عن هذا المبرر للقرار؟! ، إنها والله فتوى شاردة ضلّت طريقها ، بل نؤكد أنه على العكس من ذلك ، فإنّ بقاء الطالب في المدرسة يجعله أكثر قلقاً من ناحيتين ؛ الأولى : وجوده في ذات البيئة ، والثانية : شغله الشاغل والوحيد هو تفكيره في كيفية استعداده والوقت اللازم للامتحان التالي .
خامساً : السؤال الذي يطرح نفسه ، وبإلحاح عقلاني ومنطقي ، هو كيف ستطبق لائحة شؤون الطلاب فيما يتعلق بغياب الطالب – على فرض انصرافه بعد أداء الامتحان – وقد حضر فعلياً إلى المدرسة ، وأدى امتحانه في ذلك اليوم ؟! .
إنّ الأمل المنشود من صانع القرار هذا ، إعادة النظر فيه وتمكين الطلاب من أداء امتحاناتهم بعيداً عن التوتر والقلق النفسي ، وحتى لا تكون النتائج عكسية ، والرجوع إلى الحق فضيلة ويجب ألا يقاس انهزاماً أو تراجعاً يضعف هيبة الجهة المختصة ، فالأحكام القضائية رغم أنها تمثل عنوان الحقيقة ، إلا أنه يمكن إلغاؤها في حالة الطعن عليها بالاستئناف أو النقض ، أو حتى عن طريق التماس إعادة النظر إذا توفرت حالاتها . وأرجو أن يخيب ظني فيما ذهبت إليه ، في بداية هذا المقال ، وارجو أن يكون على قدر المسؤولية والشجاعة اللازمة .
إنّ تغليب المصلحة العامة ، هدف أسمى يسعى له الجميع وقد تتباين الرؤى حوله ، ولكن المؤكد أنْ لا شيء يمنع من العودة إذا سطعت حقيقتها ، وإذا كنا ندعو الجهة المختصة لإعادة النظر في هذا القرار الذي نرى أنه لا يخدم المصلحة العامة ، فليس هذا من باب التدخل في اختصاصات تلك الجهة ، وإنما من باب قناعتنا بالمشاركة في الشؤون العامة دون تقليل من جهد القائمين على المنظومة التعليمية .
فهل سنجد هذه المرة من مستمع مجيب؟


























