تدور الأيام والسنين لتعلمنا أن الشمعة التي تحترق من أجل الآخرين تموت وتذوي وتنطفي، وليس مثلما قالوا لنا أنها تحترق لتضيء وتزهر وتكبر، والمواقف يا سادة خير دليل على ذلك.. أما عني فلم أكن أحترق من أجل أحد ولم أترجم حياتي على أساس المقولة هذه، بل كنت أحب أن أعمل بشغف لأنني أحب العمل وأحب الشغف وأحب الإنجاز.. كانت النجاحات ترضي نفسي وكم كنت أشعر بذلك كثيرًا، لكن الإنسان يظل بشرًا في نهاية المطاف؛ فكلمة شكرًا أو إطراء هي تقدير ضروري بالنسبة له، ورغم ذلك لم أكن أبحث عن أي منها ولكنها عندما تجري على ألسنة الآخرين ترجع إلي بعائد كبير من التعزيز والتطوير.
تقول صديقتي: “علينا أن نخرج من دائرة ما اعتدنا عليه من سلوكيات، ونمارس دور الوعي والملاحظة على هذه الدائرة ونحن في الخارج؛ سنجد أننا كنا في دوامة من اللاوعي في ممارسة سلوكيات روتينية، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، هذه الممارسات لو كنا نسلكها بوعي لكان الأمر مختلف تمامًا”، صدقت صديقتي كثيرًا لأن كتبًا كثيرة تقول مثل هذه الأفكار، وكثير من المواقف شاهدة على هذا أيضًا…
في العمل نحترق من أجل إبهار المسؤول، وفي البيت نحترق من أجل أن نصبح آباء مثاليين، وفي الزواج نحترق من أجل إرضاء الشريك، وهكذا يستمر الاحتراق إلى أن لا نتمكن بعدها – بسبب أفعالنا غير الواعية – أن نشعل أنفسنا من جديد!
كم شخص لمس ذلك في حياته؟ كم واحد منا عمل مع أشخاص وأنجز لهم الكثير لكنهم فرطوا في قدراته وإمكانياته؟ كم شخص وقع في شباك مصالح الآخرين ولم يقدروه على ما أعطاهم؟ كم من الوقت والصحة والمجهود ذهبت أدراج الرياح ولم تعود؟ كم محترق بيننا ما زال يصر على موته بيديه؟
انظروا حولكم إلى بعض أمهاتنا من الزمن الجميل، اللواتي احترقن من أجل أزواجهن فتزوجوا عليهن بمن تصغرها بعشرات السنين. وتأملوا في قصص المحبين، فقد قام الشريك بكل ما يحب محبوبه وفي الأخير كانت الخيانة والهجران والرحيل.. تمعنوا جيدًا في أرواحكم، فإن كانت متعبة من المسير فأوقفوها، وإن شارفت على الانطفاء أشعلوها من جديد. تمهلوا واستريحوا وخذوا نفسًا، والسكون السكون.
وأخيرًا، أنتهز الفرصة لأهنئ كل امرأة عمانية بيوم المرأة العمانية، وأدعوها أن تقرأ كلماتي المتواضعة الأخيرة الخاصة بها التي أهديها إياها بكل محبة: إذا كنت تريدين أن تكوني شمعة فكوني ولكن لا تحترقي، وفضلاً لا تنجري خلف المقولات التي على غرار : ” الشمعة تحترق لتضيء”، لأن الناس لا تحترم اليد الممدوة للآخر وتقعد هي على بساط الفقر. إن حسن إكرامك لنفسك يبدأ برفعك وعيك وإدراكك، وأن تعطي الآخرين والحياة من قدراتك وإمكاناتك، وأن تتعلمي وتتثقفي، وتأخذي مكانك، وأن تحيطي نفسك بالمساعدة والدعم ممن تثقين بهم، وقبل كل ذلك اعتني بصحتك النفسية والجسدية جيدًا، واقرئي وأنت سعيدة واقرئي وأنت حزينة، اقرئي في كل المواسم مثلما قال الأديب أنيس منصور، وكل عام وأنت قصيدة ونشيدة وكل الأغنيات.


























