الصحوة : علي الحداد
في عشق آباد، العاصمة التي ارتبط اسمها بالحياد بوصفه خيارًا حضاريًا ومسارًا سياسيًا واعيًا، انعقد المنتدى الدولي رفيع المستوى للسلام والثقة في لحظة عالمية تستدعي تغليب العقل، وإعلاء قيمة الاتزان، واستحضار الحكمة باعتبارها أداة إدارة لا خطابًا نظريًا. وعلى أرضٍ استضافت قادة الدول وصنّاع القرار احتفاءً بعامٍ أممي خُصص للسلام والثقة، وبذكرى حيادٍ رسّخ لتركمانستان موقعًا متميزًا في الوعي الدولي، حضرت سلطنة عُمان حضور الدولة التي تملك معنى المشاركة قبل شكلها، وجوهر السياسة قبل لغتها.
بدت الدولة المستضيفة، وهي تجمع هذا الطيف الواسع من القيادات الدولية، وكأنها تستدعي شركاء الرؤية لا حاضري المناسبة، فكان الحضور العُماني متسقًا مع روح المكان ومعنى الحدث. فمنذ تشكّل وعيها السياسي الحديث، اختارت سلطنة عُمان أن تؤسس علاقتها بالعالم على الاتزان العميق، وأن تجعل من الثقة ركيزة للعلاقات الدولية، ومن الحوار ممارسة سيادية تُدار بها الخلافات دون انزلاق، وتُصاغ عبرها المصالح ضمن أفقٍ عقلاني طويل النفس.
وتجلّى هذا الحضور العُماني في قامةٍ سياسية ودبلوماسية تمثل خلاصة التجربة العُمانية وعمقها الاستراتيجي، متمثّلة في معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، حامل الرؤية السيادية للدولة، وعقلها المفكّر في إدارة علاقاتها الدولية، وصوتها المتّزن في فضاءات القرار العالمي. هو رجل دولة تماهت في شخصه الخبرة المتراكمة مع الإدراك العميق لتعقيدات النظام الدولي، فغدا حضوره تعبيرًا مكثفًا عن مدرسة دبلوماسية عُمانية ناضجة، تستثمر الإمكانيات الوطنية والخبرات السياسية في صياغة مواقف تتسم بالاتساق، وبعد النظر، والقدرة على استشراف المسارات قبل اكتمال ملامحها.
دخل معاليه المنتدى حاملًا الفكر السياسي العُماني في أرفع تجلياته، فكرٌ صقلته التجربة، ورسخته الممارسة، ومنحته السنوات قدرة راسخة على تحويل الحكمة إلى أداة فاعلة في إدارة التوازنات، وعلى توظيف ما تمتلكه عُمان من رصيد سياسي ودبلوماسي في بناء مساحات ثقة حقيقية بين الدول. في حضوره تتجسد مدرسة ترى في الحياد مسؤولية نشطة، وفي التوازن ممارسة واعية، وفي بناء الجسور عملًا سياديًا يوازي في قيمته صيانة المصالح وتعزيز الاستقرار.
ومن خلال لقاءاته الثنائية مع وزراء خارجية دول محورية، تحرّك الخطاب العُماني بثقة تستند إلى وضوح الرؤية، وهدوء يستمد قوته من اتساق الموقف. كانت تلك اللقاءات مشاورات معمّقة عكست قدرة عُمان على قراءة الإقليم والعالم بوصفهما منظومة مترابطة، وعلى الإسهام في بلورة مقاربات تُراعي المصالح، وتحتكم إلى العقل، وتحافظ في الوقت ذاته على استقلال القرار وصفاء التوجه.
واكتسب المنتدى، في هذا السياق، بعده العالمي الرفيع من خلال المشاركة الواسعة لقادة الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية، وكبار المسؤولين في المنظمات الدولية، الذين اجتمعوا في عشق آباد باعتبارها نقطة التقاء دولية للفكر السياسي المعاصر. هذا الحضور القيادي المكثّف منح الحدث ثقله الجيوسياسي، وحوّله إلى منصة تُناقش فيها القضايا الكبرى المرتبطة بالسلام، والثقة، وأدوار الدول في صيانة النظام الدولي ضمن مقاربة تستعيد الاعتبار للحوار والدبلوماسية الوقائية.
وفي هذا المشهد الدولي المفعم بالدلالات، بدت سلطنة عُمان حاضرة بثقلها المعنوي، ومكانتها الراسخة، وخطابها الذي يجد صداه في دوائر القرار، لا لحدة نبرته، وإنما لعمق منطقه، وصدق مقاصده، واتساق رؤيته. ومن هنا جاء التلاقي بين الموقف العُماني ومضامين إعلان عشق آباد تلاقيًا طبيعيًا، فالدعوة إلى ترسيخ الثقة، وتعزيز الدبلوماسية الوقائية، وصون مركزية ميثاق الأمم المتحدة، هي مرتكزات شكّلت جوهر السياسة الخارجية العُمانية عبر عقود من العمل الهادئ المتزن.
ومن عشق آباد، لم تُضِف سلطنة عُمان حضورًا عدديًا إلى سجل المنتدى، وإنما أضافت قيمة فكرية إلى معناه، ورسالة سياسية واضحة مفادها أن السلام يُبنى حين تتقدم العقول، وأن الثقة تُصاغ حين تتطابق الأقوال مع الأفعال. وهكذا يواصل معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي حمل هذا الفكر إلى المحافل الدولية الكبرى، بوقار رجل الدولة، وبرؤية استراتيجية نافذة، وبقدرة راسخة على تحويل الحكمة إلى سياسة، والسياسة إلى أثرٍ باقٍ في وجدان العالم.


























