الصحوة – لم تكن القهوة العُمانية في كتابات الرحّالة الأجانب مجرد مشروب يُقدَّم على عجل، بل طقسًا اجتماعيًا متكاملًا، توقفوا عنده بوصفه مدخلًا لفهم المجتمع العُماني وطريقة تواصله مع الآخر. ففي مذكرات السفر الأوروبية التي تناولت عُمان منذ القرن الثامن عشر، حضرت القهوة بوصفها أول ما يُقدَّم، وأول ما يُلاحظ، وأحيانًا أول ما يُفسَّر ثقافيًا.
الرحّالة الدنماركي كارستن نيبور، الذي زار عُمان ضمن بعثة علمية أوروبية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أشار في كتابه Travels through Arabia إلى طقوس الضيافة في مدن وسواحل عُمان، ولفت إلى أن القهوة تُقدَّم فور استقبال الضيف، في أوانٍ صغيرة، وبأسلوب هادئ يعكس احترام المكان والضيف معًا. لم يصف نيبور القهوة من حيث الطعم فقط، بل ربطها بسلوك اجتماعي يتّسم بالوقار والانتباه للتفاصيل، وهو ما اعتبره سمة لافتة في المجتمع العُماني مقارنة بمناطق أخرى زارها.
وفي القرن التاسع عشر، تظهر القهوة العُمانية بوضوح في كتابات الرحّالة البريطاني صموئيل باريت مايلز، الذي عاش في مسقط فترة طويلة ودوّن ملاحظات تفصيلية عن الحياة اليومية. ففي مؤلفاته عن عُمان، يصف مايلز القهوة بأنها جزء ثابت من المجالس العُمانية، تُقدَّم ممزوجة بالهيل، وبكميات صغيرة متتابعة، في إشارة رمزية إلى الترحيب والاستمرار في الحديث. ويرى أن طريقة تقديم القهوة، وتكرار صبّها، تعكس نظامًا غير مكتوب من آداب المجالس.
أما الرحّالة والمؤرخ البريطاني جيمس ويلستد، فقد توقف في كتابه Travels in Arabia عند المجالس العُمانية، وذكر أن القهوة تُقدَّم قبل أي حديث رسمي، وكأنها تمهيد اجتماعي يسبق النقاش. ويلفت ويلستد إلى أن الامتناع عن تقديم القهوة أو تجاهلها يُعد أمرًا غير مألوف في الثقافة المحلية، ما يدل على مكانتها العميقة في الحياة الاجتماعية.
وتتكرر الإشارة إلى القهوة العُمانية في سجلات وكتابات موظفي شركة الهند الشرقية البريطانية، حيث وردت ملاحظات عن الضيافة في مسقط والموانئ العُمانية، وذُكرت القهوة بوصفها جزءًا من البروتوكول غير الرسمي في اللقاءات مع الشيوخ والتجار. هذه السجلات، المحفوظة اليوم في الأرشيف البريطاني، لا تتعامل مع القهوة كعنصر فولكلوري، بل كأداة تواصل اجتماعي لعبت دورًا في تهيئة الأجواء للتفاوض والتبادل التجاري.
وفي الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة، ومنها أبحاث منشورة في Journal of Arabian Studies، تُدرَس القهوة العُمانية ضمن سياق “ثقافة الضيافة”، حيث يُنظر إليها باعتبارها رمزًا للاستمرارية الثقافية. وتشير هذه الدراسات إلى أن ثبات طريقة إعداد القهوة وتقديمها في عُمان، رغم التحولات الاجتماعية، يعكس تمسك المجتمع بطقوس يومية تعبّر عن الهوية أكثر مما تعبّر عن الذوق.
وتختلف القهوة العُمانية في هذه الكتابات عن صور القهوة في مجتمعات أخرى، إذ لا تُقدَّم بوصفها مشروبًا صباحيًا أو لحظة استرخاء فردية، بل بوصفها فعلًا اجتماعيًا جماعيًا، مرتبطًا بالجلوس، والحديث، واحترام الإيقاع البطيء للمجلس. وهو ما جعل الرحّالة الأجانب يرون فيها مفتاحًا لفهم طبيعة العلاقات الاجتماعية في عُمان.
هكذا، لم تدخل القهوة العُمانية كتب الرحّالة بوصفها تفصيلًا عابرًا، بل باعتبارها طقسًا متكررًا، رافق اللقاءات، ودوّنته الذاكرة الأجنبية كأحد أكثر ملامح الحياة العُمانية ثباتًا. وبين دفاتر الرحلات القديمة والدراسات الحديثة، ظل فنجان القهوة حاضرًا، لا يتغير شكله كثيرًا، لكنه يحمل في صمته حكاية مجتمع كامل.


























