الصحوة – لم يكن تركيز المؤرخين الغربيين على عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي ( 1806 – 1856م ) نابعًا من شخص الحاكم وحده، بل من التحوّل البنيوي الذي شهدته عُمان خلال تلك المرحلة، وهو تحوّل جعلها تدخل مباشرة في مسرح التاريخ العالمي في القرن التاسع عشر، لا كطرف هامشي، بل كفاعل بحري وتجاري ودبلوماسي في منطقة كانت تشهد ذروة التنافس الإمبراطوري.
في الأدبيات الغربية، يُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها اللحظة التي تغيّر فيها موقع عُمان من دولة إقليمية في أطراف الجزيرة العربية إلى قوة بحرية عابرة للأقاليم. فالمؤرخون، خصوصًا في بريطانيا والولايات المتحدة، لم يكونوا معنيين بسرد تاريخ الدول بقدر اهتمامهم بفهم موازين القوى، وحركة التجارة، والطرق البحرية، وهو ما يفسر سبب بروز عُمان في كتاباتهم خلال هذا العهد تحديدًا. فمع اتساع النفوذ العُماني إلى شرق أفريقيا، ولا سيما زنجبار، أصبحت عُمان طرفًا مباشرًا في شبكة المصالح الدولية، وهو ما أدخلها إلى الأرشيفات الدبلوماسية والبحرية الغربية.
تشير Encyclopaedia Britannica إلى أن الدولة العُمانية في عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي شكّلت ما يمكن وصفه بـ«الإمبراطورية البحرية غير الأوروبية»، وهي صيغة نادرة في القرن التاسع عشر، حيث كانت القوى البحرية الكبرى محصورة في أوروبا. هذا التوصيف بحد ذاته يوضح سبب اهتمام المؤرخين الغربيين بهذه التجربة؛ إذ وجدوا فيها حالة مختلفة عن أنماط السيطرة الاستعمارية المعروفة، قائمة على التجارة والتحالفات أكثر من الاحتلال العسكري المباشر.
أما المؤرخ البريطاني J.C. Wilkinson، فيرى أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في الامتداد الجغرافي، بل في قدرة الدولة العُمانية على إدارة فضاء سياسي واقتصادي متنوع يمتد من مسقط إلى زنجبار، دون أن تفقد مركزها السياسي.
ويشير إلى أن هذا النموذج الإداري البحري، القائم على التوازن بين الداخل العُماني والمراكز الساحلية الخارجية، كان محل دراسة في الجامعات الغربية بوصفه تجربة دولة غير أوروبية نجحت في العمل ضمن النظام الدولي الناشئ دون أن تُبتلع داخله.
وتبرز هذه النظرة أيضًا في الكتابات الأمريكية المبكرة، التي تعاملت مع عُمان وزنجبار باعتبارهما شريكًا تجاريًا مستقلًا. فالعلاقات الدبلوماسية بين عُمان والولايات المتحدة، والتي تُعد من أقدم العلاقات الأمريكية مع دولة عربية، كثيرًا ما تُذكر في الدراسات الغربية كدليل على أن عُمان لم تكن مجرد تابع للقوى الكبرى، بل طرفًا يتعامل معها بندية نسبية، وهو عامل جذب إضافي للمؤرخين الغربيين الباحثين عن نماذج “غير نمطية” في تاريخ القرن التاسع عشر.
في الدراسات التاريخية الغربية، يُقرأ عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي باعتباره الفترة التي تسمح بالمقارنة، لا بالتمجيد… فقد وفّرت تلك المرحلة عناصر يفضّلها المؤرخ الغربي في التحليل: دولة غير أوروبية، فاعلة بحريًا، موثّقة في أرشيفات متعددة، ومتقاطعة مع قوى كبرى في زمن إمبراطوري. هذه القابلية للمقارنة هي ما جعلت العهد مادة بحثية متكررة، لا لأنه استثنائي في التاريخ العُماني وحده، بل لأنه قابل للإدراج داخل سرديات التاريخ العالمي كما يكتبها الغرب.


























