الصحوة – الدكتورسالم بن سلمان الشكيلي
عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ !
بما مضى أم بأمرٍ منك تجديدُ
بيتٌ من الشعر للشاعر العملاق المتنبي ، لطالما ردّدناه في أعيادٍ سابقة ، بخوالج في النفس متفرقة ومختلفة ، يتنازعها الفرح في أحيان كثيرة ، وإن بدا فيها شيءٌ من الألم لسببٍ ما ، إلّا أن أسباب الفرح والسعادة تطغى على مستخبّيات الألم ، التي لا تكاد تُذكر ، لكننا اليوم نردّد شطر البيت الأول من القصيدة ، بألم شديد وحزن عميق ، ليس على حال واحد ؛ وإنما على احوالٍ عدة انفطرت بسببها ومن هولها قلوبنا ، ومن هول ما خلّفته تلك الأحوال العظام والشدائد الجسام .
بأية حال عدت لنا ياعيد !؟ ، وقد اختطف منّا الموت أعز الرجال وأنقاهم ، وأصفى الرجال وأرقاهم ، وأصدقهم عملًا وأبقاهم ، جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور طيب الله ثراه في لحظة صعبة هزت وجدان كل عماني وعمانية، فالفقد صعب ، والمفقود تملّك منّا كل شيء فينا ، وقد كنّا نتنفسه صباح مساء ، وتنبض قلوبنا بوجوده معنا ، كيف لا وقد وهب حياته للنهوض بعمان وتطوّرها وأمنها ورخائها واستقرارها ، حتى كسر الجهلَ ، وقضى على الفقر والمرض ، وعاش العماني في عهده مرفوع الهامة عالي القامة سعيداً في بيته وقريته ومدينته ووطنه ، فلم يسمح لنا القدر أن نودعه كما يجب أن يكون ويليق الوداع ، لأننا لم نكن نعلم موعد الرحيل والفراق ، ولما كان الموت مُنتهى كل حيّ فليس بحولنا وقدرتنا إلا التسليم بقضاء الله وقدره ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربّنا : إنّ العين لتدمع ، وإنّ القلب ليحزن ، وإنّا على فراقك يا قابوسُ لمحزونون ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فيا ربنا ارحم السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور واعفُ عنه ، وأكرمْ نُزلَه ، وتقبّلْه بقبول حسن ، مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين ، يارب العالمين .
بأية حال عدت يا عيد !؟ ، وقد نزل بالبشرية جمعاء جائحة هذا البلاء والوباء ، فقضى على خلقٍ كثير ، وأصاب خلقًا آخرين ، ولا زال يفتك بعباد الله ، فتباعدت المسافات وتثاقلت الخطوات عن المساجد ، وهُجر بيت الله الحرام ، فلا طوافَ حول الكعبة ، ولا سعْيَ بين الصفا والمروة ، وانقطعت التراويح في رمضان شهر التسابيح ، وتباعد الأهل والخلّان ، فلا يدٌ تمتدّ لتصافح أخرى ، ولا قبلة على جبين أم أو أب أو ولد ، وأُغلقت الأسواق ، وانقطعت الأرزاق ، وأصبح الحال ينشد الفراق ، وافتقدت الجنازة إلى طلاب الفضل من ورائها ، ولا عزاء لميت يقام . يا لَلهول !
بأية حال عدْتَ يا عيد !؟ وقد تلاشى الفرح بين الأطفال والكبار ، واختفت دشداشة العيد وزهوه ، وغابت كل مظاهره ومباهجه ، وستفتقد مصليات الأعياد روّادها ، وستغلق الأبواب أمام كل قريب أو جار أو صديق ، وسيشتاق الصغار لعيدية العيد التي سيحرمون من تداولها بين أيديهم هذه المرة ، بعد أن كانوا يحرصون على تجميعها وادخارها لشراء حاجة لهم فيها أمنية تراود أحلامهم البريئة .
بأية حالٍ عدتَ يا عيد !؟ والقدس العربية الإسلامية سليبة ، والمسجد الأقصى الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مغتصَب من قبل اليهود ، يتحكمون في مداخله ومخارجه ، أما المسلمون فيكتفون بالفرجة وقد اهترَأَت نخوتهم وحميتهم ، ولَم يهتزّ لهم شنب ، بل إنّ بعضهم يتآمر على قضية العرب والمسلمين الأولى ، فأقاموا الأحلاف الخفيّة مع الدولة اليهودية ، واستعانوا بها في توطيد أنظمة حكمهم وقبضتهم الأمنية .
بأية حالٍ عدتَ يا عيد ؟! وأنا العربي متعب بعروبتي وحال الأمة في تفكك وانقسام وتناحر على بقايا التمرة وغلافها ؛ حتى ضاع الأمل المنشود في الوحدة والقوة والمنعة والعزة والمجد ، الذي لطالما تغّنينا به ونحن صغار حتى هرمنا ، ولم نرَ غير الشتات ، فالعالم العربي يرهن سيفه ، وحكاية الشرف الرفيع سراب ، ومن نسج الخيال الشعري ليس إلّا .
ولكن ، وأمام كل هذه المحبطات المحيطات المجلّطات ، فإن الأمل بالله عزّ وجلّ لازال حبله ممدودًا والرجاء به معهودًا ، والشكر والثناء إليه قائمًا على كل حال، وليس أمامنا إلا الدعاء بأن يكشف هذه الغمة عن عباده الراجين رحمته ، التي وسعت كل شيء ، ونسأله تعالى أن يحفظ لنا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ، ويسدد خطاه في قيادة عمان ومواصلة نهضتها المتجددة ، فهو خير خلَف لخير سلف ، وهو عبقرية الاختيار ، ونسأله أيضاً أن يديم على الشعب العماني الأبيّ ، نعمة الأمن والأمان والرخاء والازدهار ، ويعيد هذه المناسبة السعيدة عليهم وعلى الأمة الإسلامية بموفور الصحة والعافية ، وكل عام والجميع بخير .


























