الصحوة – شريفة التوبي
في هذا الزمن الذي يتسابق فيه المتسابقون إلى التغيير والبحث عن فكرة، نكون بحاجة إلى أفكار جديدة تجعلنا في نفس المسار مع المتسابقين لتأخذنا نحو التغيير الذي نرجوه ونتمناه، بكل ما نملك من أدوات التغيير البشرية والمادية وبما يتناسب مع مستجدات اللحظة ومتطلّبات العصر، ولتحقيق ذلك فأن كل ما نحتاجه فكرة وليس أكثر من فكرة. نحن لسنا بحاجة إلى أسماء وصور قدر حاجتنا إلى عقول قادرة على أن تكون على مستوى الفكرة والحدث والزمن وطبيعة المتغيّرات فيه، لكن يصدمك الواقع بما يحويه، فهناك من لا تعنيه الفكرة قدر ما يعنيه الظهور ولو كان مشوّهاً، وهناك من تعجبه الكلمة الفارغة إلا من محتوى الحرف في غير معنى، ويعجبه رنين اللحن في زيف اللفظ، باختصار هناك من يعجبه أن يكون فقّاعة، ليس له من الثقل المعرفي إلا قشور ما يأخذه من عناوين المنشورات في رسائل الوات ساب وبعض مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى ذيل الحديث من لسان المتحدث، ليجعل منها غلافاً برّاقاً لتلك الفقاعة رغم هشاشتها الواضحة لعين الرائي.
قد تُصدم في بادىء الأمر حينما تصادفك مثل تلك الفقاقيع، وحينما تجدها تكاثرت وطفت على السطح وملأت المكان، وحينما تجدها حاضرة في كل محفل، متحدّثة، منظّرة، مفكّرة، ويُصدمك أكثر حينما تجد أن هناك من يلهو بها مباركاً، ويصدمك أن تجدها قد وصلت إلى مكانة لا دور لها فيه غير شغل الفراغ، رغم أنها لا تملك شيئاً بل كل ما تسعى إليه أن يكون لها حظ من الذِكر أو تنال شيئاً من الشهرة حتى لو أعادت تدوير فكرة أخذتها من هنا أو هناك، يغريها ذلك الظهور المشوّه العاجز الذي لا يمنح صاحبه قيمة حقيقية بقدر ما يفضحه ويعرّيه حتى يبدو هزاله وضعفه وزيفه، ولأن عمر الفقاعة قصير فما أن تتلاشى تحت ضوء الشمس حتى تبدأ العمل في الظل معلّقة أجراساً و(جلاجل) لعلها تُلفت الانتباه بتلك القرقعة التي تثير في نفسها العُجب والخيلاء، متوهّمة أنها نالت ما تمنّت ووصلت إلى البريق المنتظر، وحتى تضمن الاستمرار تبدأ تقتات على بقايا أفكار الغير وفتات حروفهم لتصنع منها وجبة تُشبع بها جوعها المعرفي، وتسد بها حالة الفراغ والفقر الفكري في داخلها، ومع عجزها من أن تكون شيئاً أمام ثقل المعرفة، تتحول إلى بوق أو ببغاء أو طبّال أو راقص في حفلات الرقص والتطبيل، أو حتى ظلاً، أو تابعاً صغيراً ملتصقاً بمن يتبعه.
بعض هذه الكائنات لا يحيا إلا متسلّقاً على أكتاف الغير، ويواصل تسلّقه من خلال ما ينعق به وما يثيره من جدل لا يُثري نقاشاً ولا يخدم قضية، وحينما يرهقه التسلّق أو يظن أنه وصل إلى حيث شاء، يعيش على مخلّفات الزمن المنصرم من أفكار بالية وعقول سجينة الوهم حتى تظنه حين تراه مومياء محنّطة لأنه لا يملك في حقيقة الأمر غير تلك النظرة القاصرة والرؤية العمياء عن اكتشاف كنه الحقيقة في معرفة كيف تولد الفكرة وكيف يُدار الحوار ومتى يكون الكلام درراً ولؤلؤاً منثورا، ومتى يصبح الصمت حكمة.
بكل أسف رغم تغيّر الحياة والزمن، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الفكرة سيدة الموقف، ما زالت تلك الرؤوس المتضخّمة بالوهم بما تحمل من عقول صغيرة في محتواها الفكري أو الثقافي موجودة ولم تنقرض، ومثل هذه الكائنات هي الأخطر على الأوطان من أي شيء آخر، فهي بكل خوائها المعرفي وفراغها الفكري لا يعنيها الوطن وما أحبّته ولن تخلص له قدر ما تعنيها تلك النفس التي تعاني من ورم الحماقة والبلادة، ولا يمكن أن تسمع منها سوى خرخشة جلاجلها المزعجة ولن ترى منها إلا ما تحدثه من خراب أينما حلّت..



























