حصريٌّ لـ«الصحوة» – في سلطنة عُمان، لا يُقاس الصيف بدرجات الحرارة وحدها، ولا يُعرف القيظ من صفحات التقويم فقط؛ فثمة نجومٌ ظلت لقرون طويلة تؤدي دور “الساعة الكبرى” التي يهتدي بها الناس إلى المواسم وتحولات الأرض ومواعيد الرزق. ومع دخول يونيو من كل عام، يبدأ العمانيون في ترقب واحد من أشهر النجوم حضورًا في الذاكرة الشعبية والفلكية: “الدبران”، النجم الذي ارتبط ظهوره ببدايات القيظ، ووفرة الرطب، وحركة الأفلاج، وحتى بالحكايات والأساطير التي تناقلتها الأجيال.
وفي هذه الأيام، بينما تتبدل ألوان النخيل تدريجيًا وتبدأ تباشير “النغال” بالظهور في عدد من ولايات سلطنة عُمان، يعود اسم الدبران إلى الواجهة مجددًا؛ ليس بوصفه جرمًا سماويًا فقط، بل باعتباره علامة موسمية وثقافية تختزن ذاكرة عمانية عميقة، حين كان الناس يربطون السماء بالأرض، والنجم بالماء، والرطب بالحياة.
ويُعد الدبران من أشهر النجوم في الثقافة العمانية والخليجية عمومًا، واسمه مشتق من “الدَّبر”، أي التابع، لأنه “يدبر” الثريا أو يسير خلفها في السماء. والثريا نفسها هي العنقود النجمي المعروف بـ”الشقيقات السبع”، والذي تراه العين المجردة مجموعة صغيرة متلألئة من النجوم، بينما يظهر خلفها الدبران بلونه البرتقالي المائل إلى الحمرة، وكأنه يلاحقها في رحلة أزلية عبر السماء.
لكن حضور الدبران في الوعي العماني لم يكن حضورًا جماليًا أو شعريًا فقط، بل ارتبط بحياة الناس اليومية بصورة مباشرة. فالعمانيون قديمًا لم ينظروا إلى النجوم باعتبارها زينة لليل، وإنما أدوات معرفة ووسائل تنظيم للحياة. ومن هنا جاء ارتباط الدبران بأنظمة تقسيم مياه الأفلاج، حيث استُخدمت النجوم ليلًا لتحديد أوقات السقي بدقة، ضمن منظومة مائية تُعد من أعقد وأقدم الأنظمة التقليدية في المنطقة.
وكان الدبران واحدًا من النجوم التي اعتمدت عليها بعض الأفلاج العمانية في حساب الزمن الليلي وتقسيم حصص المياه، خصوصًا في ولايات عُرفت تاريخيًا بدقة أنظمتها الزراعية. ولم يكن هذا الاستخدام رمزيًا، بل ممارسة عملية حقيقية تناقلها الأهالي جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت النجوم جزءًا من “عدالة الماء” في المجتمع العماني.
ومع طلوع الدبران فجرًا في موسم القيظ، تبدأ النخيل أيضًا في إعلان موسمها المنتظر. ولذلك ارتبط هذا النجم بالمثل العماني الشهير: “طلوع الدبران.. الرطب ترس القفران”، في إشارة إلى امتلاء أوعية الرطب والسلال بثمار النخيل مع بداية الموسم.
ويبدو هذا الارتباط طبيعيًا في مجتمع عاش طويلًا على إيقاع النخلة. ففي منتصف مايو تبدأ بعض أنواع الرطب المبكرة، مثل “النغال”، في الظهور، ثم يتصاعد الموسم تدريجيًا حتى يبلغ ذروته خلال أشهر الصيف، حيث تتحول الأسواق والمزارع والبيوت إلى مشهد عماني خالص تفوح منه رائحة الرطب وسعف النخيل.
وفي القرى الزراعية خصوصًا، لا يزال كبار السن يربطون بين ظهور الدبران و”فوح القيظ”، إذ يُنظر إليه كإعلان سماوي غير مكتوب بأن موسم الرطب قد بدأ، وأن الأرض تستعد لواحد من أكثر مواسمها سخاءً.
ولأن العرب نسجوا الحكايات حول كل ما أحبوه أو خافوه أو انتظروه، لم ينجُ الدبران من الأسطورة. فتقول الرواية الشعبية إن الدبران عشق الثريا، وأرسل القمر وسيطًا لخطبتها، لكنها رفضته بسبب فقره وقلة ذات يده. ومع إلحاح القمر وافقت بشرط أن يسوق لها مهرًا عظيمًا من الإبل، فجمع الدبران القلائص وساقها خلف الثريا، لكنها غدرت به في النهاية ورفضت الاقتران به، ليبقى إلى اليوم يسير خلفها في السماء دون أن يبلغها.
وفي المخيال العربي، أصبحت القلائص تمثل العنقود النجمي القريب من الدبران، بينما تحول الدبران إلى رمز للوفاء والمطاردة الأبدية، في حين بقيت الثريا رمزًا للجمال البعيد الذي لا يُدرك.
ورغم أن هذه الرواية تنتمي إلى الذاكرة الشعبية أكثر من انتمائها إلى التوثيق العلمي، فإنها تكشف شيئًا مهمًا عن علاقة الإنسان العربي قديمًا بالسماء؛ إذ لم يكن يرى النجوم كتلًا مضيئة صامتة، بل شخصيات وحكايات ومواسم وعلامات حياة.
واليوم، وبينما تتسابق الأسواق في عرض أولى بشائر الرطب، وتتهيأ المزارع لموسم القيظ، يعود الدبران ليطلّ من جديد، لا كنجم فلكي فقط، بل كجزء من الهوية العمانية التي ظلت تربط السماء بالأرض، والمواسم بالنجوم، والحياة بحركة الكون. ففي سلطنة عُمان، ما زالت بعض النجوم تُقرأ كما تُقرأ الذاكرة، وما زال الدبران بالنسبة لكثيرين أكثر من مجرد نجم… إنه بداية الحكاية السنوية للرطب والقيظ والصيف.




























