الصحوة – د. فوزيّة بنت سيف الفهدي
يجهل الكثيرون كيف جاءت فكرة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية الذي يكون الاحتفاء به كل عام في الثامن عشر من ديسمبر، والحقيقة أنّ الفكرة ولدت عندما عقد المؤتمر العام لليونسكو دورته الثالثة والثلاثين، واتخذ فيها قراراً مهما يحمل رقم ٣٣م/٠١، كان ذلك بتاريخ ٢٠ أكتوبر/ تشرين الأول من عام ٢٠٠٥، أعلن في هذا القرار أن عام ٢٠٠٨ سيكون عاما دولياً للغات، بعدها صدر قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدّة رقم ٦١/٦٦م في ١٦ مايو/ آيار ٢٠٠٧م الذي أُيّد فيه قرار اليونسكو رقم ٣٣/ ٠١ في ٢٠أكتوبر/ تشرين الأول، بأن يكون عام ٢٠٠٨ عاما للغات، وأن تكون اليونسكو هي الوكالة المكلّفة بهذه المهمّة.
وبمناسبة إعلان اليونسكو عام ٢٠٠٨ عاما دوليّاً للغات، قُدّمت مبادرة تأسيس المجلس الدولي للغة العربية إلى اليونسكو، وقد رحّب السيّد كوشيرو متسورا المدير العام لليونسكو آنذاك بالمبادرة، وهي مبادرة من شأنها أن تعزّز موقع العربية في هيئة الأمم المتحدّة ومنظماتها، بوصفها واحدة من اللغات الرسميّة فيها، ونظرا لأهميّة المبادرة خاطبت اليونسكو الدول العربية في هيئة الأمم المتحدة ومنظّماتها بالدعم الكامل للمجلس.
وبعد استكمال الإجراءات النظامية والقانونية، رأت اليونسكو أن ينشأ المجلس في دولة عربية تمنحه كافة المزايا والحصانات أسوة بالمنظّمات الدوليّة العامّة في إطار الأمم المتّحدة؛ لهذا تمّ اختيار لبنان لوجود هيئات الأمم المتحدّة فيه، وقد صدر مرسوم جمهوريّ بتأسيس المجلس ومنحه كافّة المزايا والحصانات أسوة بالمنظّمات الدوليّة العامّة في إطار الأمم المتّحدة.
عمل الاتّحاد الدولي للغة العربية على تفعيل دور العربية على مستوى صنّاع القرار السياسيّ والمسؤولين والمختصّين لتكون البحوث المقدّمة إليه والتوصيات التي تصدر عنه مرجعا للحكومات والمسؤولين وصناع القرار في الدول العربية، ووفق ذلك صدر كتيّب خاص من ٣٥ صفحة ليكون نداءً عالميّاً، عنون الكتيّب ب(اللغة العربية في خطر: الجميع شركاء في حمايتها)، وبهذا كان هذا النداء محرّكا للمهتمين والمختصّين في تبنّي المبادرات التي تجعل من العربية مركزا للاهتمام، وأولوية للكثير من المسؤولين العرب وغير العرب.
انبثقت من هذا المجلس وثيقة بيروت التي شرحت القضايا والتحدياّت التي تواجهها اللغة العربيّة، من تهميش وعزوف وتقصير من قبل أبنائها، والدول الناطقة بها، وشجّعت على تقديم المبادرات والاقتراحات والحلول المناسبة لمعالجة تلك التحديات التي بيّنتها الوثيقة، وتحتوي الوثيقة على عشرين بنداً شُرحت بالتفصيل الموسّع، وتُعدّ مرجعاً مهمّا للسياسات والأنظمة والتشريعات والقوانين اللغويّة، وتمثّل مصدر إلهام للمشاريع والمبادرات، وتركز على واقع العربية في الوقت الرّاهن، وتستشرف المستقبل.
في البند الثامن عشر من الوثيقة جاء بند اليوم العالمي للغة العربية، الذي أكّد على أهميّة أن يكون هناك يوم عالمي سنويّ للغة العربية تنظّم فيه الاحتفالات ويحتفَى فيه بالمشاريع والمبادرات، ويكون هذا اليوم منسجما مع مكانة اللغة العربية وتاريخها ومرجعيّاتها وثوابتها ومستقبلها.
وقد اتخذت اليونسكو القرار رقم (C/ Dr. 3530) في فبراير/ شباط من عام ١٩٩٩م للاحتفال باليوم العالمي للغة الأمّ، إذ يحتفل العالم باللغة الأم في جميع البلدان بهدف المحافظة على اللغات المعرّضة للاندثار، ولتعزيز التعدّد اللغويّ والثقافيّ. وقد اقترحت المجموعة العربية في اليونسكو أن يكون يوم ١٨ ديسمبر يوماً عالميّا للغة العربية، ووافق على المبادرة تلك المجلس التنفيذي لليونسكو بموجب القرار ١٩٠م ت/ ٤٨ في ٨/ ١/ ٢٠١٢م، بدعم من المجموعة العربية في اليونسكو، وبجهود بعثة المملكة المغربيّة والمملكة العربية السعودية في اليونسكو.
يأتي احتفال هذا العام تحت شعار اللغة العربية والتواصل الحضاري؛ ليكون منطلقا لنا في تكثيف عمليات التواصل وبناء جسوره مع الأمم الأخرى ولغاتها الكثيرة والمختلفة، من أجل التعريف بلغتنا وثقافتنا وتراثنا الذي يتّصل اتصالا مباشرا بلغتنا الأم اللغة العربية، ، ولنجدّد السعي في إقامة مؤسّسات وجمعيات من شأنها دعم اللغة العربية وتعزيز وجودها واستعمالها من قبل أبنائها أولا ونشرها وتعليمها للناطقين بغيرها، وذلك من خلال توثيق الصلة بين أبناء العربية وعلوم دراستها وتلقيها والفنون التي يبدع في أبناؤنا من خلال التفكير بالعربية ويظهر غناها اللغوي، ولنستمرّ في العمل على غرس الانتماء إليها والاعتزاز بها لكونها اللغة المعبرّة عن هويّتنا وأفكارنا وحضارتنا، ولأنها اللغة التي شرّفها الله بأن تكون لغة كتابه المنزل على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد- عليه الصلاة وأتمّ التسليم- وهي لغة أهل الجنة بعد الحساب.
إنّ واجبنا الديني والحضاري والتاريخي يفرض علينا بذل مزيد من الاهتمام بهذه اللغة العظيمة، ولنا في أجدادنا وأسلافنا أسوة نتأسّى بها، فقد نشر العرب العربية في أوروبا وكانت اللّغة التي إذا أتقنها الأوروبيّ عدّ إنساناً متحضّرا متعلماً أخذ العلم من أهله في الأندلس ، وكان الأوروبيون يتقاطرون إلى قرطبة وممالك الأندلس؛ ليتعلّموا العربية ويتقنون الحديث بها وفهمها في القرون التي حكم فيها العرب الأندلس -أسبانيا حاليا- وخاصة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، كما لا ننسى جهود العمانيين الذين مخروا العباب وجابت سفنهم قارات العالم وشطآنه حاملين معهم الدين والأخلاق قبل السلع والبضائع ، معبرّين عن قوتهّم تلك بلغتهم التي أثرّت في الكثير من لغات العالم عابرين بالعربية الصين والهند وشرق إفريقيا، فدخلت العربية في لغات شتّى على امتداد الكرة الأرضية وهذا ما نجده في بعض اللغات من وجود لألفاظ عربية مثل الأوردية والبلوشية والفارسية والسواحيلية، ولنا في هذا الدور حديث آخر بإذن الله.



























