الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
كثيراً ما اربأ بنفسي عن الدخول في مهاترات وسجالات لا طائل ولا جدوى منها، خاصة إذا ما كانت مع أشخاص حمقى وجهلة متفَيقهون ، لا يدركون من العلم والفقه إلا قشوره ، بُعدهم عنه بُعد المشرق عن المغرب ، تتنازع نفوسهم المريضة أهوال الدنيا ، يسيطر عليهم حب الشهرة وجمع المال ، فيتطاولون على قامات علمية دينية لها شموخ الجبال ورسوخها ، تمثل الوسطية والاعتدال والتسامح ، ويقدحون في مذاهب دينية تحترم المذاهب الأخرى دون قدح أو تطاول على علمائها . وأمثال هؤلاء ليس لهم من همّ أو شغل سوى النخر في عظام الأمة وتفتيت أواصر التلاقي بينها .
وإن كان ثمة اختلاف في بعض المسائل الدينية ، وهذا مما لا شك فيه ، فالاختلاف موجود ومشروع بين العلماء والفقهاء ليس بين المذاهب الإسلامية المختلفة فحسب ، وإنما حتى في المذهب الواحد ، فلا غضاضة في ذلك ما دام لا يعارض نصوص القرآن الكريم القطعية الدلالة ، والسنة النبوية الشريفة المتواترة ، ولنا في التاريخ الإسلامي مواقف عدة اختلف فيها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأمثلة في ذلك كثيرة ، حتى أولئك المتفيقهون يعرفونها لكنهم يأبوا استحضارها لئلا تُكتشف أضاليلهم وأباطيلهم .
فقد اختلف الصحابة مع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين في ميراث الجدة ، وفي تقسيم سواد العراق . (كمثال فقط) والأمثلة في ذلك كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ، وليس هنا مجالها .
أجدني في الحالات التي تنال من الوطن وسلطانه وشعبه ورموزه ونسيجه ووحدته الوطنية ، غير قادر على السكوت ، ولا يمكن إلا أن أستلّ سيفي من غمده ، فهذه كما يعرفني الكثيرون تعتبر بالنسبة لي من المناطق المحرمة التي لا يجوز دخولها لأيّ كان ، وسيعلو صوت الحق والحقيقة مدافعاً بالفكر والكلمة والحوار ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ، بلا تقديس للأشخاص ، ولكن من باب الإجلال والاحترام لهم ، ووضع ورفع قدرهم في المكان اللائق بهم ، وإن كان ذلك صعب ، لأنهم أوجدوا قدرهم وصنعوا مكانهم، فمرتقاهم صعب وجليل .
قد أختلف ، بل واختلفت معهم في الرأي ، وعلى سبيل المثال فإنّ استاذي ومعلمي الذي أشرف على رسالتي العلمية في الدكتوراة انحني له إجلالاً واحتراماً بما له من حقٍ عليّ ، وبما يجب أن يكون لفقيه مثله في القانون الدستوري والإداري من عالي المكانة ، وأنا تلميذه ، لكني اختلفت معه في الرأي بكل أدب واحترام ، وربما كان ذلك واضحاً في كتابيّ الأنماط الحديثة لأنظمة الحكم المعاصرة ، والمواطنة ومقوماتها الأساسية ، اللذين راجعته فيهما بما يخالف آراءه ، مثنياً على هذا الاختلاف ، مقتنعاً في النهاية بما رأيت . لكن هذا حال العلماء الفقهاء وليس المتفيقهين .
أعود إلى موضوع المقال ، وكان لا بدّ من تلك المقدمة لتوضيح المراد .
وقع بصري على مقطع مرئي للمدعو محمد شمس الدين – وأظن أنّه لا يمتّ بصلة لا بالشمس ولا بالدين ولا بمحمد ، لكنها تسميات صادفت هوى نفسه فسخرها لأجل نفث سمومها ، وأطال لحيته زيادة في التدليس والتضليل . رأيته يهذي ويتهجم فيه على سماحة الشيخ الجليل أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة ، وعلى عالم أخر جليل ومرموق من علماء المسلمين هو الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الدّدّو ، كما ظهر شميس هذا في ذات المقطع ، وفي مقطع آخر يطعن ويهاجم المذهب الأباضي ، الأمر الذي كان سبباً في كتابة هذا المقال ، ولن أخوض في جوهر المسائل الدينية التي تعرض لها ، فهناك من هو أجدر وأكثر قدرة مني في الرد عليه ويُلجمه ويفند أباطيله وادعاءاته .
وسماحة الشيخ الخليلي ليس بحاجة إلى من يدافع عنه ، فهو عالمُ جليل رغم أنف شميس وزمرته وأمثاله ، ممّن يروّجون للفتنة ، ذلك أن سماحته معروف بالوسطية والاعتدال وعدم التعصب ، ويدعو إلى وحدة المسلمين ونبذ الفرقة والشقاق بينهم ، وإلى الحوار الهاديء الرزين المبني على الاحترام المتبادل ، ومعروف بصدح الحق ، والتفاعل مع آلام وآمال المسلمين في كل مكان وزمان ، ومواقفه في مناصرة المسلمين ودفع الظلم عنهم واضحة جليّة ، وهذا ما جعل اسمه يلمع ونوره يسطع وعلمه وصوته لقول الحق يُزلزل الدنيا ويُسمع ، وعينه من خوف الله لا تنفك تدمع ، وقلبه من خشية الله يبكي ويخشع ، وبذلك فإنّ الشيخ الخليلي، اطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية ، يحظى بالقبول والاجماع من كافة العمانيين أباضية وسنة وشيعة ليس فقط لأنه مفتي عام السلطنة ، ولكنه أيضاً نثر الكثير من بذور الخير حوله فاخضرّ الزرع وأينع الثمر ، وبفكره وعلمه فهو الترياق المضاد للتسمم بالجهل والشرّ والفرقة والشتات بين القلوب ، كما حظي الشيخ الخليلي باحترام وإجلال الكثير من المسلمين وعلمائهم من غير العمانيين ، في شتى بقاع الأرض ، فوالله ما رأينا أحداً أكثر منه إنصافاً عندما يعرض أو يناقش مسألة فقهية ، إذ يعرض فيها أراء المذاهب الأخرى دون انتقاص أو تهكّم ثمّ يرجح ما استقر عليه رأيه سواءً توافق معها أو اختلف ، ففي الدين سعة وفي الاجتهاد الشخصي متسع .
لكن هذا الحضور الكبير لسماحة الشيخ في المشهد العربي والإسلامي وأحداثه الجسام ، جعلت من أصحاب النفوس المريضة والأحقاد الدفينة ، وقد خبا صيتها واندثر رسمُها ونُسي اسمها ، أن ارتأت نفث السموم والأحقاد ، ونشر الفتنة والضلالات . ذلك شأن الحاقدين والحسّاد على مرّ العصور .
وأمثال هؤلاء ليس لهم ردّ إلا قول الإمام الشافعي رحمه الله :
يخاطبني السفيهُ بكل قبحٍ
فأكرهُ أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة ً وأزيدُ حِلمًا
كعودٍ زاده الإحراقُ طِيبا .
وقول أبي الطيب المتنبي :
وكيف لا يُحسَدُ امرؤ علمٍ
لهُ على كلّ هامةٍ قدمُ
وقول حبيب الطائي :
وإذا أراد اللهُ نشْرَ فضيلةٍ طُويَت ، أتاحَ لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورَتْ ما كان يُعرَفُ طيبُ عَرفِ العودِ
* ذاك يكفيك أيها المتفيقه الأحمق الفتّان *
أما المذهب الأباضي ياشميس الطين ، ولن أعتذر لك ، فأصوله قائمة وفروعه معلومة ومعروفة تزخر بفقه هذا المذهب العشرات بل المئات من المؤلفات ، منها لعلماء وفقهاء عمانيين ، ومنها لعلماء وفقهاء غير عمانيين تشربوا بالنزاهة والإنصاف في البحث والعرض والطرح ، لا يدفعهم طيشٍ أو هوى في النفس كما يدفعك ، ولا تنقصهم قلة معرفة أو علم كما ينقصك الكثير منه ، ولا تستهويهم إثارة الفتنة كما تلعب برأسك الخواء ، لا يحرفون الكلم عن مواضعه كما تفعل في حلقاتك المسمومة ، وتوهم الناس بخلاف ما عليه المذهب وخاصة عندما تجتزيء لأقوال بعض العلماء ليتفق هذا الاجتزاء مع غايات شريرة في نفسك ومقاصد مريضة في عقلك . وندلك على بعضٍ منها وهي ؛ الحق الدامغ ، والأباضية مذهب وسلوك ، ونشأةالحركة الأباضية ، والاباضية في ميدان الحق ، والأباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم ، ناهيك عن الرسائل العلمية لطلبة العلم المنصفين ، من شتى الدول والمذاهب الإسلامية ، ومع ذلك فإنك لن تفقه ولا تريد أن تفقه ، كمن قال الله تعالى فيهم (صمٌ بكمٌ عميُ فهم لا يعقلون) . بل أنصحك بأن تُعمل عقلك وفكرك عن كثير من علماء المسلمين المعتبرين ، ممن أنصفوا المذهب الأباضي ، وارجع إذا شئت إلى مناهج الأزهر الشريف وآراء علمائه الكبار ، وإلى الشيخ يوسف القرضاوي ، واقرأ في كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة ، وغيرهم .
لا غرو أن تُقدم أيها الأحمق الأخرق ، خاوي المعرفة ، فاقد أدب الحوار والاختلاف على التهجم والتهكم على العلماء والفقهاء ، فقد فعلتَ ذلك ، ولم يسلم من بذاءات لسانك وحقارته مشايخ كباراَ من شتى المذاهب الإسلامية ، كالشيخ الألباني وابن حجر العسقلاني والشيوخ صالح الفوزان وابن عثيمين والددّو وغيرهم ، وقد ردّ عليك بعضهم واتهموك بالضلال والكفر ووصفوك بالمتعالم صاحب البدع ، إلا أننا لن نكفّرك ولن نخرجك من ملة الإسلام طالما آمنتَ بالله ورسوله ونطقتَ بالشهادتين وجئتَ ببقية أركان الإسلام ، فمذهبنا الذي تطعن فيه خقدا ، وسلوكنا الذي جُبلنا عليه لا يجيز لنا ذلك ، وكما قال نور الدين السالمي وهو من كبار علماء الأباضية :
ونحن لا نطالب العبادا
فوق شهادتَيهمُ اعتقادا
فمن أتى بالجُملتَين قلنا
إخواننا وبالحقوقِ قُمنا
هذا هو المذهب الأباضي أيها الأحمق المتفيقه ، لا يكفّر مسلماً نطق بالشهادتين وقد حرم بهما ماله ونفسه وعرضه ، غير أننا نبرأ منك ومن تصرفاتك ومردّك إلى الله .
إنّ الأمة الإسلامية احوج ما تكون اليوم إلى الوحدة ونبذ الفرقة والشقاق ، وترك الخلافات جانباً ، فأعداء الإسلام يتربصون بالمسلمين شرقاً وغرباً ويحاربونهم في السرّ والعلن وبوسائل شتى ، ومنها دفع منحرفي الفكر لإثارة النعرات المذهبية كي لا تقوم للإسلام قائمة ، لكنّ الله على نصرة المسلمين وعزة الإسلام لقدير فهو المولى ونعم النصير .


























