رحمة بنت صالح الهدابية
هنالك حضور على هيئة غياب وفي الجانب الآخر هنالك غياب على هيئة حضور فأنت المسؤول الوحيد من قبل وبعد عن تحديد واختيار نوعية الأماكن والمناسبات التي تود زيارتها ووجودك فيها؛ فمع كثرة الأماكن وانتشار المجالس فيها بات نوع حضورنا مقيدًا بالمكان الذي نذهب إليه.
فليس بالضرورة أن تلبي جميع ما تصلك من دعوات مختلفة ليقال عنك إنسان اجتماعي يحب مخالطة الناس ومشاركتهم في مختلف مناسباتهم السعيدة منها والحزينة والذي يعود بسبب وجود الكثير من الناس والتي ما إن يفكر أحدنا لحضورها والتفاعل مع الناس فيها فإنه من الطبيعي أن يفقد فيها لذة الحضور وما يتبعه بعدم الإحساس بالراحة وحرية التصرف والحركة علاوة عن حرية الكلام فيصبح في لحظتها حضوره باهتًا لا قيمة له.
لذلك لايوجد مكان يستحق منا كل هذا العناء والتعب من أجل زيارته ووجودنا فيه مهما بلغت روعة بنيانه وفاق جمال منظره مالم يقدم لنا الفائدة المرجوة من المجئ إليه.
فهناك فرق شاسع وكبير مابين أن تأتي مجلس علم أو تحضر دورة تتعلم منها أشياء جديرة بأن ترتقي من خلالها بعقلك وفكرك نحو حياة أفضل وما بين أن تجلس في مجلس زور وبهتان خائضًا في أعراض الناس وكاشفًا لعوراتهم.
فإجتنابك أماكن اللهو هذه يعد بحد ذاته حضورًا لشخصك وتقديرًا لذاتك في إبعادها عما يخدشها و يسوءها من أقوال وأفعال سيئة لم تنشَ ولم تتربَ عليها قط.
وكما أن الحال لا يقتصر على هذا النوع من الحضور وإنما يشمل أيضًا الحضور الكثيف وبشكل دائم ومستمر على منصات التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها والتي لا يكاد فيها أن يرى صورة أو تغريدة إلا وقد باشر في التعليق عليها غير مدرك ومبال للنتائج والعواقب التي ستظهر من وراء تعليقاته السلبية على هذا المنشور أو ذاك سواء أكان ملمًا ومطلعًا على حيثيات الموضوع أو لم يكن كذلك.
أو حتى الظهور الإعلامي الملفت والمبالغ فيه للشخص فلا يوجد برنامج أو لقاء إلا وقد كان حاضرًا فيه ما يجعله عرضه للهجوم والانتقاد لكثرة حديثه و تصريحاته التي ربما تحمل الكثير من المغالطات.
وعلى النقيض الآخر نجد الكثير من الشخصيات التي برزت وتميزت في مجالات عدة لم تكن لتظهر على شاشة التلفاز في هذا اللقاء وذلك البرنامج إلا بعد رحلة عناء ومشقة يقوم بها كل من معدي ومقدمي تلك البرامج لإستضافتهم وتعريف الناس بإنجازاتهم ونجاحاتهم الباهرة لإيمانهم التام ومعرفتهم السابقة بأن مثل هذه البرامج واللقاءات لن تضيف لمسيرتهم وحياتهم العلمية والعملية على حد سواء شيئا وعلى العكس تمامًا ربما تكون سببًا في تعطيلهم عن تحصيل المزيد من النجاحات.
ليحضرني في هذا المقام جواب الأديب الراحل “غازي القصيبي” عند سؤاله عن سبب رفضه وعدم تلبيته للعديد من الدعوات فكان رده كالآتي “وهل سأجد الوقت الكافي لممارسة ما أحبه من قراءة وكتابة عند حضوري لمثل هذه المناسبات؟! “
لنخلص في النهاية القول لابد أن تكون شخصًا صاحب حنكة وذكاء في استغلال لحظات عمرك في أمور تجعل منك شخصًا صاحب إنجاز ودائمًا ما يسعى لإستغلال أوقاته والبحث عما يفيده في دينه ودنياه فليس كل مكان يستحق الذهاب إليه كما أنه ليس كل إنسان يستحق منك أن تضيّع ساعات يومك في مسامرته والحديث معه دون أن تحصل منه على ما يجعل يومك مختلفًا عن أمسك.

























