الصحوة – في قلب الواحة التي تفيض بالنخيل وتوشّحها الجبال الصامتة، تقف قلعة بهلاء شامخة كأنها تحرس الزمن، لا تصدُّ عنه الريح ولا الغبار، بل تدعوهما ليكتبا معها سيرة الطين والحجر والنخيل. هنا، لا تتحدث الجدران عن تاريخ وحسب، بل عن روح تشكّلت من الصمود، وعن ذاكرة نسجتها القرون بحكمة الأجداد وبراعة الحرفيين.
هذه القلعة التي يتجاوز عمرها الألف عام، لم تكن يومًا مجرد تحصين عسكري أو مقرًا للسلطة، بل كانت مدينة داخل مدينة، تنبض بالأسواق، والمساجد، والآبار، والسور الذي يدور حولها كذراع أُمٍّ حنون تخشى على وليدها من السهو أو الغياب.
يقف الزائر أمامها في ذهول.. من صمتها الجليل، من رائحة الطين التي ما زالت تحتفظ بدفء أكفّ البنّائين، من برج الريح الذي لم يتوقّف عن الإصغاء للهبات القادمة من الجهات الأربع. وقد لا يعلم كثيرون أن هذه القلعة، كانت أول موقع عُماني يُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1987، في إقرار عالمي بقيمتها الاستثنائية.
لكن.. كيف تُروى حكاية بهذا العُمق في عصر البصر السريع؟ كيف يُمكن أن تُترجم الطمأنينة التي تبعثها جدران القلعة إلى لغة يفهمها زوّارٌ لم يعرفوا معنى أن يعيش المكان في ذاكرة أمة؟
ربما لهذا السبب، تتجه الأنظار إلى متحف “عُمان عبر الزمان”، حيث يُعلن رسميًا عن ولادة الهوية البصرية لقلعة بهلاء، في احتفالية تحتفي بالصورة باعتبارها نصًا جديدًا يضاف إلى سِفر القلعة الطويل.
ليست الهوية البصرية مجرد شعار. إنها محاولة لصياغة مرئية للهوية العميقة، لفهم الجذور لا لزخرفتها، ولربط القلعة بوعي العالم الحديث الذي يتنقّل بين الصور كما يتنقّل بين العواصم. هي جسرٌ بين الطين والرمز، بين الحكاية والعين، بين المعمار واللغة.
جاءت هذه الخطوة تتويجًا لمسابقة دولية استقطبت مصممين من العالم، ليفوز بها مصمم مصري قدّم رؤية تحتفي بالتفاصيل وتُفكّك صمت الجدران إلى إيقاع بصري نابض بالمعنى. وهو فوزٌ لا يُقاس بالإبداع وحده، بل بالقدرة على نقل الإحساس العماني العميق بالتراث إلى العالم.
وإذا كانت القلعة قد نجت من عوادي الزمن، واحتفظت بروحها وسط تغيّرات التاريخ، فإن هذه الهوية الجديدة تُمهّد لها طريقًا نحو المستقبل، لا لتغادر مكانها، بل لتتوسّع في الوعي، ولتكون حاضرة في خيال الزائر والسائح، كما هي حاضرة في وجدان العُمانيين.
إنها قلعة لم تنتهِ بعد.. بل ربما بدأت للتوّ فصلًا جديدًا، عنوانه: أن يكون للتراث صورة، ولهوية المكان صوتٌ، يخرج من فم الطين ليُخاطب العالم.



























