الصحوة – حين يحتفل العالم اليوم، الخامس والعشرين من يونيو، بـ يوم البحارة العالمي (Day of the Seafarer)، تقف سلطنة عُمان على ضفاف ذاكرة بحرية عميقة لم تكن يومًا محض تنقّل في مياه، بل حضارة أبحرت نحو العالم، وقيمٌ عُمانية عبرت القارات قبل أن تُطبع على جوازات السفر.
ومن بين عشرات الأسماء التي تركت أثرًا في تاريخ الملاحة العُمانية، يبرز اسم أبي عبدالله بن القاسم العامني، المعروف في المرويات العُمانية بـ”أبي عبيدة الصغير”، كأحد أقدم وأعمق النماذج التي تجسّد العلاقة العُمانية الأصيلة بالبحر، لا كوسيلة ارتزاق فقط، بل كرسالة إنسانية وتجارية وثقافية، تكتبها الموجة وتحملها الرياح إلى أقاصي الشرق.
من بهلاء إلى خانفو
في عام 133 هـ (750م)، أبحر أبو عبيدة الصغير من عُمان إلى ميناء خانفو الصيني (قوانغتشو حاليًا)، في رحلة لم تكن مجرّد مغامرة تجارية، بل بداية لعلاقة بحرية طويلة الأمد بين العرب والشرق الأقصى، وكان في تلك الحقبة المبكرة من التاريخ الإسلامي من أوائل من وطئت أقدامهم الساحل الصيني ليس كتاجر عابر، بل كصانع وجود مستقر.
ووفق ما ورد في المصادر العمانية والعربية، كان الرجل أحد وجوه العلم والتقوى، تتلمذ على يد كبار علماء الإباضية في بهلاء، قبل أن يحمل معه عِلمه وأخلاقه في عرض البحر، ليصبح لاحقًا رئيس الجالية العربية في الصين، ويحظى بلقب فريد من نوعه في السجلات الصينية: “جنرال الأخلاق الطيبة”.
البحّار العُماني الأول
ليس مبالغة القول إن أبا عبيدة الصغير كان نموذجًا مبكرًا لما يُعرف اليوم بالعولمة؛ فالرجل لم يقتصر على التبادل التجاري فحسب، بل أسّس لمسجد صغير في خانفو، وأسهم في أعمال خيرية، وتعاون مع السلطات الصينية لترميم سور المدينة، وبقي اسمه محفورًا في كتب سلالة تانج وسونج، بما يشبه “الامتداد الدبلوماسي الطوعي” لعُمان في تلك القرون البعيدة.
ولعل الأجمل في قصته موقفه من تجارة “العود”، حين رفض غش التجار المحليين في سعر البضاعة، مفضلًا العدالة الأخلاقية على الربح المادي، في واقعة حفظها المؤرخون كدليل على نُبل سلوكه وأخلاق البحارة العمانيين الأوائل.
يوم البحّار.. ومرآة البحر العُماني
في مثل هذا اليوم، بينما تحتفي المنظمات البحرية العالمية بالبحّارة وتكرّم أدوارهم، يبدو من المهم – وربما من الملحّ – أن تستعيد سلطنة عُمان رموزها البحرية التي شكّلت ملامح هذا الوطن منذ قرون، ليس فقط لإحياء الذاكرة، بل لغرس روح جديدة في الأجيال القادمة.
فـ”أبو عبيدة الصغير” ليس شخصية في كتاب، بل رمز حيّ يمكن أن يُلهِم المبادرات التعليمية، والمشاريع السياحية، ومتاحف الملاحة، وحتى حملات التبادل الثقافي مع الشرق الأقصى، حيث لا تزال الصين تحتفظ بمساحة في أرشيفها لاسم هذا العُماني النبيل.
لقد كان البحر للعمانيين كتابًا مفتوحًا، وسطرًا في هوية وطن؛ ومن هنا، فإن استحضار سيرة أبي عبيدة في يوم البحّار العالمي، لا يُعيد للأذهان مجرد تاريخ فرد، بل يسلّط الضوء على جذور عمانية عميقة صنعت من الملاحة فنًا، ومن الرحلة رسالة، ومن التبادل التجاري وسيلة لنشر القيم قبل البضائع.
وبينما تمخر السفن الحديثة عباب البحار بتقنيات الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، تظل بوصلة أبي عبيدة ماثلة في الذاكرة: صدق، وأمانة، وتسامح، ورؤية إنسانية تتجاوز حدود الموانئ.



























