الصحوة – 26 يونيو ليس مجرّد تاريخ على الروزنامة الدولية؛ إنّه اليوم الذي تتوحّد فيه أصوات العالم للتذكير بخطر المخدرات ووجوب التصدي لها، وفي سلطنة عُمان، حيث تتعانق الصرامة القانونية مع الرعاية الإنسانية، يكتسب هذا اليوم بُعدًا خاصًّا يسلّط الضوء على مادتين فريدتين في قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية (المرسوم السلطاني 17/1999): المادتان 51 و52.
من التجريم إلى التمكين
تنصّ المادة 51 على عدم إقامة الدعوى الجزائية ضد أي متعاطٍ يبادر ـ هو أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية ـ بطلب العلاج طوعًا قبل ضبطه أو تحريك الدعوى ضده، وهي «مادة الرحمة» التي تحوّل القانون من سيف مسلَّط إلى يدٍ تنتشل الضحية من براثن الإدمان.
بعدها تأتي المادة 52 لتغلق دائرة الحماية؛ إذ تكفل سرّية تامة لبيانات المريض، وتعاقب بالإفشاء كل من يطّلع على حالته بحكم عمله، وهكذا تمنح المنظومة القانونية ضمانة مزدوجة: إعفاء من العقاب لمن يطلب النجدة، وستارًا يحول دون الوصمة المجتمعية.
أرقام وحملات
وفق أحدث إحصاءات شرطة عُمان السلطانية، تراجعت معدلات الضبط بنسبة 18 % خلال العامين الماضيين، فيما ارتفع عدد طالبي العلاج طوعًا بمعدل 27 %، ويربط المسؤولون هذا التحول مباشرة برسائل التوعية التي تكرّر، كل 26 يونيو، دعوة واحدة: «اطلب المساعدة قبل فوات الأوان».
وفي الحملات الحديثة، لجأت الجهات المختصّة إلى تقنيات الواقع الافتراضي لمحاكاة رحلة الإدمان ونهاياتها المأساوية، فيما تبنّت المدارس والجامعات مبادرة «مشاهَدات بلا فلاتر» التي تستضيف متعافين يسردون تجاربهم بلا تزويق، وعلى الجانب الأمني، عزّزت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات أجهزة الفحص المتقدمة في المنافذ البرّيّة والبحريّة، ووسّعت شبكة الكلاب البوليسية المدرَّبة، ما أسفر عن ضبط أكثر من 430 كجم من «الكريستال ميث» وحده العام الفائت.
هيكلة جديدة
ولأن محاربة الآفة تتطلب تنسيقًا عابرًا للوزارات، نقل المرسوم السلطاني 24/2023 تبعية «اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية» إلى مجلس الأمن الوطني؛ بهدف: دمج الملفّ ضمن استراتيجية أمنية شاملة تربط مكافحة التهريب بغسل الأموال، وتضع الوقاية الصحية داخل إطار الأمن المجتمعي.
وبين الصرامة التي تفرضها عقوبات تصل إلى الإعدام بحق المهرّبين، والرحمة التي تفتحها المادتان 51 و52 للمتعاطي التائب، ترسم سلطنة عُمان معادلة متوازنة تعيد تعريف «المكافحة»: حماية الحدود بلا هوادة، وحماية الإنسان بلا شروط؛ وفي اليوم الدولي لمكافحة تعاطي المخدرات والاتجار بها، تتجلّى هذه الرسالة واضحة: القانون العُماني لا يكتفي بتجريم السمّ؛ بل يمدّ يد العون لكل من يستجمع شجاعة الاعتراف والطلب.
فإذا كان في محيطك من يُعاني، فذكّره بأن القانون منح «فرصة ثانية» تنتظر طرق الباب، وأن السر سيبقى مصونًا خلف أبواب المصحات.


























