الصحوة – علي الحداد
حين انتقلت المواجهة بين إيران وإسرائيل من الظل إلى العلن، بدا المشهد كأنه لحظة تعرٍّ استراتيجي: لم يعد الصراع تدافعًا عبر الوكلاء، بل صار اشتباكًا مباشرًا، مكشوفًا، خاضعًا لعين الكاميرا… لكنه أيضًا، خاضع لسؤال: ماذا لم يحدث، ولماذا؟
الرد الإيراني المباشر… بين الجرأة والحاجة
ضربت إيران لأول مرة بشكل صريح ومباشر من أراضيها. كُسر الصمت، لكن لم تُكسر المعادلة بالكامل. الرد كان محسوبًا، مدروسًا، وربما أيضًا مضطرًا — في ظل ضغط داخلي متصاعد بعد اغتيالات طالت نخبة الحرس الثوري، وتهديد لهيبة الدولة.
ما بدا كـ”تحوّل نوعي في الردع” قد يكون أيضًا محاولة لاستعادة التوازن الرمزي أكثر من كونه تعبيرًا عن ثقة قتالية متزايدة.
إسرائيل: أمن هجومي لكن في مواجهة أزمة ردع
من جهة أخرى، استعرضت إسرائيل ما تصفه بـ”عمق الذراع الاستخبارية”: اغتيالات دقيقة، هجمات سيبرانية، واختراق غير مسبوق للمنشآت الأمنية الإيرانية. غير أن هذا النجاح لا يخفي قلقًا وجوديًا يتفاقم منذ حرب غزة 2021، ويعبّر عن نفسه في الملاجئ المفتوحة والخوف من اتساع الجبهات.
إسرائيل تُتقن اللعب تحت الحزام، لكنها تدرك أن الحزام نفسه صار هشًا.
القدس الغائبة… وتراجع الخطاب الثوري
للمرة الأولى، غابت القدس عن الخطاب الإيراني أثناء التصعيد. لا “جمعة تحرير”، لا “فيلق القدس”، ولا ربط بين الرد وبين القضية الفلسطينية.
هذا الغياب ليس تفصيلًا، بل مؤشرًا على تحول إيران من مشروع ثوري أممي إلى مشروع سيادي قومي، حيث الأولوية للدفاع عن حدود الدولة لا قضايا الأمة.
تحالفات مفككة… من محور المقاومة إلى “العزلة المحسوبة”
غابت مشاركة حزب الله، سكت الحوثيون، وقف العراق على الحياد. لم يعد “محور المقاومة” حلبة واحدة، بل فسيفساء من الحسابات. ما بدا عزلًا قد يكون نتيجة تآكل ثقة، لا مجرد تنسيق ظرفي.
في المقابل، إسرائيل عملت ضمن غطاء أميركي مكشوف، ما يعكس تماسك تحالفها ولو بشكل انتقائي.
السرديتان لا تتوازيان… بل تتشابكان
لا تعيش إيران وإسرائيل “حربين منفصلتين”، بل تعيشان حالة تشابك: كل ضربة تُنتج توازنًا جديدًا، وكل تردد يكشف هشاشة في الجبهة المقابلة.
السردية الإيرانية التي تعتبر “تفادي الحرب نضجًا”، تواجه مأزقًا إذا ما فُسّرت على أنها تراجع. والسردية الإسرائيلية التي تحتفي بـ”الاختراق” قد تخفي خوفًا من فقدان السيطرة.
وأين الناس؟
في خضم الحسابات، لا يُرى الناس. لا جثث، لا دموع، لا خوف في الشوارع. الحرب هنا لعبة نخب وأجهزة ومراكز قرار، بينما المدنيون — إيرانيون كانوا أم إسرائيليين — يعيشون الصدمة، والانتظار، وانعدام اليقين.
نهاية مرحلة… لا نهاية الحرب
ما حدث ليس بداية الحرب، ولا نهايتها. إنه نهاية الطور السري من الصراع. الاشتباك بات علنيًا، لكن “قواعد اللعبة” لم تُكتب بعد. والمنتصر لن يكون من أطلق الصاروخ الأبعد، بل من احتفظ بأعصابه وبقدرته على الصمت حين يكون الصراخ هو الفخ .


























