الصحوة – سعاد الوهيبية
في زاوية مظلمة من يومك المزدحم، تفتح هاتفك للمرة العشرين خلال الساعة، لا لشيء سوى تفقد تنبيهات لم تعد تثير حماسك، البريد الوارد يزداد، الرسائل تتوالى، وعيونك تكافح وهج الشاشة، بينما ذهنك يتشتت بين المهام والتوقعات والردود، تشعر وكأنك تركض بلا توقف في سباق لم تسجل فيه اسمك، ومع ذلك لا يمكنك الانسحاب.
كانت التكنولوجيا وعدًا بالراحة، فإذا بها تتحول إلى سيلٍ من المعلومات يغمرنا حتى الاختناق، هنا يظهر “الإرهاق الرقمي”، ذلك الزائر الصامت الذي يتسلل إلى أيامنا ببطء، يسلب صفاءنا، ويختلط بصوت الإشعارات وكلمات العمل والتعليقات العشوائية.
في هذا الموضوع، نتعرف سويًا على الظاهرة الحديثة المسمًاه بـ “الإرهاق الرقمي”؛ لنكشف كيف يمكن لشاشة مضيئة أن تظلم عقلنا، ولماذا حان الوقت لإعادة ضبط الإيقاع الرقمي لحياتنا.
يعرف الإرهاق الرقمي بأنه حالة من التعب النفسي والجسدي والعاطفي؛ نتيجة الاستخدام المفرط والمطول للأجهزة الرقمية كالهواتف الذكية، والحواسيب، والأجهزة اللوحية؛ خاصة في بيئة العمل أو أثناء التفاعل المستمر عبر الإنترنت.
وتتمثل أعراض “الإرهاق الرقمي” في:
- القلق والتوتر المستمر بسبب التنبيهات والرسائل المتكررة.
- ضعف التركيز وصعوبة إنجاز المهام نتيجة التشتت الذهني.
- آلام جسدية مثل صداع الرأس، إجهاد العين، وآلام الرقبة والظهر.
- اضطرابات النوم بسبب التعرض للضوء الأزرق من الشاشات.
- الشعور بالعزلة والانفصال عن الواقع رغم التواصل الرقمي المستمر.
وأوضح مجلس الصحة الخليجي أن هذه الحالة ترتبط بشكل رئيسي بالإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية والشاشات، والذي يرتبط بـ:
- الاعتماد على الاجتماعات الافتراضية، مما يزيد من الضغط النفسي، والجسدي بسبب ضرورة البقاء على اتصال دائم.
- معالجة كميات كبيرة من المعلومات، مثل: البيانات المستمرة، والرسائل الإلكترونية، يعزز الإرهاق العقلي.
- تداخل العمل مع الحياة الشخصية، خاصة مع العمل من المنزل، يجعل من الصعب تحديد حدود، مما يزيد الضغط النفسي.
- التعرّض المستمر للضوء الأزرق من الشاشات يتسبب في إجهاد العين، بينما يؤدي الجلوس لفترات طويلة إلى مشكلات جسدية أخرى.
- التواصل المستمر عبر منصات الإنترنت يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية والعاطفية.
وللإرهاق الرقمي تأثيرات متعددة على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية، فقد أصبح ظاهرة متزايدة في عصر الاتصال المستمر، ومن بين أبرز تلك التأثيرات بحسب الدراسات الحديثة:
التأثيرات النفسية:
- زيادة التوتر والقلق نتيجة الضغط المستمر للبقاء متصلًا والرد على الرسائل.
- اضطرابات النوم بسبب التعرض للضوء الأزرق من الشاشات، مما يؤثر على إنتاج الميلاتونين.
- الشعور بالانعزال رغم كثافة التواصل الرقمي، مما يؤدي إلى ضعف الروابط الاجتماعية الحقيقية.
- انخفاض التركيز والتحفيز بسبب التشتت الذهني المستمر.
التأثيرات الجسدية:
- إجهاد العين مثل الجفاف، التهيج، وضبابية الرؤية.
- آلام الرقبة والظهر نتيجة الجلوس لفترات طويلة في أوضاع غير مريحة.
- إجهاد العضلات بسبب قلة الحركة والتعرض المستمر للشاشات.
التأثيرات الاجتماعية والمهنية:
- تداخل الحياة الشخصية مع العمل، خاصة في بيئات العمل عن بُعد، مما يسبب ضغطًا نفسيًا مستمرًا.
- انخفاض الأداء المهني والشعور بالإرهاق حتى بعد فترات قصيرة من العمل.
- ضعف العلاقات الواقعية نتيجة الاعتماد على التواصل الرقمي.
إن كنت مصابًا بالارهاق الرقمي، كيف تحمي نفسك من تبعات هذه الحالة؟
- تحديد أوقات لاستخدام الأجهزة، وتفعيل وضع الطيران خلال الراحة.
- تقليل الإشعارات غير الضرورية.
- ممارسة أنشطة غير رقمية مثل الرياضة أو القراءة.
- تخصيص وقت للتواصل الواقعي مع الأصدقاء والعائلة.
- أخذ فترات راحة منتظمة أثناء العمل أمام الشاشة.
ويوصي مجلس الصحة الخليجي بضرورة مراجعة الطبيب إن شعر المصاب بالحالة من آلام في الرقبة أو الظهر أو إجهاد بصري متوافق مع صداع لا يتحسن بتغيير وضعية الجلوس أو أخذ فترات راحة، أو أنك تجد صعوبة في النوم بسبب تفاعلك مع الأجهزة الرقمية، أو شعورك بالقلق والاكتئاب، وتجد صعوبة في التفاعل الاجتماعي، إضافة إلى دعم قدرتك على التعامل مع الإرهاق على الرغم من تغييرك لعاداتك اليومية المتعلقة بالتعامل مع الأجهزة والشاشات.


























