حصريٌّ لـ«الصحوة» – في موسمٍ تتحوّل فيه الأرض إلى مرجٍ أخضر، وتستيقظ الجبال من صمتها، هناك في ولاية طاقة، وتحديدًا بقرية شيحيت، تصحو “حفرة” ليست كغيرها؛ حفرة صامتة على مدار العام، ثم فجأة، مع أول نفحات الخريف، تبدأ في رواية قصتها بطريقتها الخاصة: قصة غابة تنبت من باطن الأرض.
ليس من السهل أن تراها من بعيد؛ فهي ليست قمة تُستهدف، ولا شلالًا يتسابق إليه المتنزهون؛ بل هي نقيضٌ لذلك تمامًا؛ منخفض ضخم يحتضن بداخله مشهدًا لا يُشبه المحيط: انحدار عميق يصل إلى أكثر من 30 مترًا في بعض الجهات، تنمو في داخله نباتات لا تراها في السهل، وتتعانق فيه الأشجار في طبقة خفيّة عن أعين العابرين.
وعلى خلاف ما يُتداول من حكايات شعبية عن “نيزك” سقط فشق الأرض نصفين، فإن الجيولوجيين يرجّحون أن هذه الحفرة هي نتيجة عملية طبيعية نادرة تُعرف بإذابة الصخور الجيرية تحت تأثير المياه الحمضية؛ لم يسقط نيزك هنا، بل ذابت الأرض بصبر الطبيعة وتحوّلت مع الزمن إلى حوضٍ مفتوح.
لكن الأكثر إدهاشًا ليس عمقها ولا سبب تشكّلها، بل ما يحدث داخلها عند اشتداد موسم الخريف؛ فعندما تشتدّ الرطوبة وتلبد السماء بغيوم المونسون، تتكثف الحياة في قاع الحفرة؛ نباتات برية، غطاء أخضر لا يصل إليه ضوء مباشر، وطيور تلجأ إلى أعماقها وكأنها تعرف أن هناك عالمًا آخر لا تراه الكاميرات إلا من السماء.
هذه الظاهرة الطبيعية التي يندر مثيلها في شبه الجزيرة العربية، باتت واحدة من أسرار خريف ظفار التي لم تكتشف بعد بالكامل، ورغم أن الصور الجوية واللقطات التي التُقطت عبر الطائرات المُسيّرة بدأت تنتشر وتكشف جزءًا من المشهد، فإن التجربة الحقيقية لا تزال حكرًا على من يغامر بالوصول إلى حافة الحفرة، ويقف على حدود صمتها.
ومع تزايد الزوّار إلى محافظة ظفار خلال هذا الموسم، تبقى حفرة شيحيت إحدى الوجهات غير المأهولة التي تنتظر من يلتقط سرّها، ويُسجل حضورًا في سجلّ الأماكن التي تتحدث فيها الأرض همسًا.



























