الصحوة – على مدى عقود، ارتبط اسم شركة حلويات عُمان (ش.م.ع.ع) في أذهان المستهلكين المحليين والإقليميين بنكهات الشوكولاتة والإكلير والتوفي والفادج، وبعلامات تجارية مثل Chiko وFolen & Court وChelsea، التي عبرت حدود سلطنة عُمان إلى أكثر من 45 دولة. تأسست الشركة في 1 يناير 1989 كمصنع وطني في منطقة الرسيل الصناعية بمسقط، وتحولت في 2002 إلى شركة مساهمة عامة مدرجة في سوق مسقط للأوراق المالية (بورصة مسقط حاليًا)، موظفة مئات العاملين، ومصدّرة إنتاجها إلى الخليج وآسيا وأوروبا.
لكن مسيرة هذا الصرح الصناعي شهدت منذ عام 2017 تغيرًا دراماتيكيًا، إذ بدأت المؤشرات المالية بالتراجع، وتوالت الخسائر، حتى تكشّفت في السنوات اللاحقة مخالفات جسيمة طالت صميم الإدارة والحوكمة، وانتهت بإجراءات قضائية تعد من الأبرز في سجل الشركات المساهمة العامة في سلطنة عُمان.
شرارة الأزمة وبداية التصفية
في أواخر نوفمبر 2022، أعلن مجلس إدارة الشركة عزمه المضي في إجراءات التصفية، مُرجعًا القرار إلى تعثّر الأوضاع وتوقف النشاط لفترات طويلة. وفي 5 يناير 2023، أقرت الجمعية العمومية غير العادية حل الشركة وتعيين مُصَفٍ، لينتهي – ظاهريًا – فصل طويل من تاريخها الصناعي.
غير أن هذا الإغلاق لم يكن النهاية، بل بداية فصل جديد، أكثر سخونة، في قاعات المحاكم. فسرعان ما تحركت هيئة الخدمات المالية – التي تراقب شركات المساهمة العامة – لفتح تحقيق شامل في أوضاع الشركة خلال فترة 2017–2019، بالتوازي مع دعوى رفعها عدد من المساهمين الرئيسيين.
خيوط المخالفات
التحقيقات أزاحت الستار عن خمس مخالفات محورية شكلت أساس الدعوى:
1. قروض بنكية بلا جدوى واضحة، أُدرجت في البيانات المالية بقيم غير حقيقية.
2. اعتماد القوائم المالية دون مراجعة المدقق الداخلي، مع إثبات وجود مخزون وهمي في أحد الفروع.
3. إضافة أصول مالية دون قرار قانوني أو مصادر تمويل محددة.
4. الإخفاق في استبعاد الديون المشكوك في تحصيلها، بالمخالفة للمعايير المحاسبية الدولية.
5. شبهات تواطؤ في تضخيم الإيرادات وتقليل الالتزامات، مع تقاعس لجنة التدقيق عن أداء مهامها.
هذه الممارسات، بحسب الهيئة، أدت إلى تقديم بيانات مالية مضللة، أضرت بالمركز المالي للشركة وأفقدت المساهمين ثقتهم، في انتهاك صريح لمبادئ الحوكمة والمسؤولية المنصوص عليها في قانون الشركات التجارية (18/2019).
الحكم الابتدائي.. وتغيير المعادلة
بتاريخ 30 يونيو 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بمسقط حكمًا ابتدائيًا تاريخيًا، يقضي بإلزام عدد من أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية – خلال فترة ولايتهم 2017–2019 – برد مبلغ خمسة ملايين ريال عماني لصالح الشركة ومساهميها، وتحمل الرسوم والمصاريف القضائية. كما قضت المحكمة بـ”بطلان إجراءات التصفية وما ترتب عليها”، في خطوة قلبت مسار القضية وأعادت الوضع القانوني للشركة إلى ما قبل قرار الحل.
اللافت أن الحكم استثنى ثلاثة من أعضاء المجلس من المسؤولية، لعدم ثبوت العلاقة السببية بين أفعالهم والأضرار المثبتة. لكن هيئة الخدمات المالية أعلنت في بيانها الصادر في 9 أغسطس 2025 أنها تقدمت بطلب استئناف، اعتراضًا على هذا الاستثناء.
قراءة في أبعاد القضية
القضية تمثل اختبارًا عمليًا لمبدأ المسؤولية الشخصية لأعضاء مجالس الإدارة، الذي يمتد لخمس سنوات بعد وقوع الفعل أو التقصير، كما نصت عليه المادة (18) من قانون الشركات التجارية. وهي أيضًا تفعيل للمادة (206) التي تلزم الأعضاء بالمسؤولية التضامنية عن أي أضرار ناتجة عن الغش أو الخطأ أو تجاوز الصلاحيات.
الأهم أن هذه السابقة القضائية تحمل رسائل واضحة لسوق المال العماني: أن مسؤولية الحوكمة لا تسقط بانتهاء الولاية أو مغادرة المنصب، وأن الرقابة الفعالة من الجهات التنظيمية والمساهمين يمكن أن تحرك المساءلة حتى بعد مرور سنوات على المخالفات.
بين الماضي والمستقبل
من مصنع وطني ناجح إلى كيان يواجه دعاوى قضائية ومطالبات بملايين الريالات، تعكس قصة «حلويات عُمان» مزيجًا من الإنجاز الصناعي والتحديات الإدارية، ومن صرامة القانون في حماية الأسواق والمستثمرين.
وبينما تنتظر الأوساط الاقتصادية مآلات الاستئناف، يظل السؤال مفتوحًا: هل ستعود الشركة – إذا تأيد بطلان التصفية – إلى خطوط الإنتاج بروح جديدة وإدارة ملتزمة بالحوكمة، أم ستبقى حكايتها شاهدًا على أن سقوط الكيانات الكبرى يبدأ من داخلها قبل أن تأتيه العواصف من الخارج؟


























