الصحوة – علي الحداد
لكلِّ أمةٍ فجرٌ يولد من خاصرتها،
ولكلِّ مجدٍ رجلٌ ينفخ في رماده حتى يصير شُعلة.
وفي سفرِ عُمان، بعد إشراق الإمام المؤسِّس أحمد بن سعيد البوسعيدي،
أطلَّ ضياءٌ من عمان،
ضياءُ السيد سعيد بن الإمام والسلطان سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي،
السلطان الذي جعل من الموجِ عرشًا،
ومن السفنِ رسلًا،
ومن التسامحِ دستورًا يمتدُّ بين ضفّتين .. إفريقيا وآسيا.
حين أشرقت زنجبار في المرايا
من عُمان إلى زنجبار،
لم تكن الرحلةُ انتقالًا في المكان، بل في الفكرة.
هناك، عند ملتقى العطور والريح،
مدَّ السلطان السيد سعيدٌ جسورَ المحبة والعدل،
فأقام من جُزرِ العاجِ والمِسكِ مملكةَ ازدهارٍ فريدة،
تتنفّسُ بالعمران، وتغنّي بالتجارة.
في زنجبار، كانت القصورُ تنمو كالأحلام ..
بيتُ الساحل وبيتُ المتوني وبيتُ الراس،
كلّها تُشيّد على إيقاع البحر،
وتُزيَّنُ بشُرفٍ منقوشةٍ كآياتٍ من ضوء،
تطلُّ على ميناءٍ تزدانُ فيه السفنُ بالعَلَم العُماني،
كأنها نجومٌ تسبحُ في محيطٍ من الهيبة.
سفنٌ تحمل الوطن في أشرعتها
من مسقط إلى ممباسا،
ومن صور إلى بمبا،
ومن زنجبار إلى موانئ الهند وجزر الهند الشرقية،
كانت السفنُ العمانية تمخرُ الموجَ كأنها أبياتُ قصيدةٍ تُتلى على أمواج الزمان.
الرحماني، فكتوريا، المنصور، سلطانة ..
أسماءٌ تحفظها البحار عن ظهرِ حب،
تحملُ العاجَ والقرنفلَ والتوابلَ والعطر،
وتعودُ محمّلةً بالذهبِ والقصصِ والعقود.
كانت تلك السفنُ مدارسَ في الخشب،
يتعلّم فيها الملاحون لغاتِ الرياح،
ويكتب فيها التاريخُ فصلَه البحريّ المجيد:
عُمان التي لا تغزو، بل تُعاهد.
عُمان التي لا تأخذ، بل تُعطي.
القرنفلُ الذي عطّر الدولة
حين لمس السلطان السيد سعيد تراب زنجبار،
رأى في الأرض وعدًا أخضر،
وفي رائحة القرنفل نبوءةَ رخاء.
فزرع الشتلات الأولى بيده،
ثم قال لأهل الجزيرة:
“ازرعوا الخيرَ في الأرض، فإنها تعرفُ من يزرعها.”
فانتعشت المزارع،
وصار القرنفلُ لُغةَ العطر العُماني،
يُعلن في كل سوقٍ ازدهارَ الأمة،
ويحملُ رائحته إلى سواحل الهند،
وإلى القارة الإفريقية من مومباسا إلى مدغشقر،
حتى صار اسمُ زنجبار مرادفًا للعبق،
واسمُ عُمان مرادفًا للعمران.
الأسواق التي نطقت بلغات العالم
في عهده، لم تكن الأسواقُ مجرد مكانٍ للبيع والشراء،
بل سيمفونيةُ تنوعٍ حضاري.
كان التاجرُ العربي يُجادل التاجرَ الهندي بابتسامة،
ويعقد مع الإفريقي صفقةً على فنجان قهوة،
ويكتب مع الأوروبي اتفاقًا بخطّ اليد على صفحة احترام.
هنا في مسقط وزنجبار،
تجاورت العملاتُ واللغاتُ والوجوهُ والعمائم،
فغدت الأسواقُ كالموزاييك العماني ..
كلُّ لونٍ فيها جميل، وكلُّ اختلافٍ فيها انسجام.
الوفود الأوروبية التي جاءت من خلف البحر
لم يكن الغربُ غريبًا عن مجالس السلطان السيد سعيد،
فقد جاء إليه الإنجليزُ والفرنسيون والأمريكيون،
يحملون الهدايا والاتفاقيات،
ويعودون محملين بالإعجاب.
استقبل قناصلَ بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في قصر بيت الساحل،
وأرسل مبعوثه الشيخ أحمد بن النعمان الكعبي إلى واشنطن عام 1840،
في أول سفارةٍ عربيةٍ إلى أمريكا.
وفي باريس، حمل العُمانيون رسالةَ الودِّ والتجارة.
أما الملكة فكتوريا فقد أرسلت دعوةً خاصةً للسلطان السيد سعيد،
فأجابها بوفدٍ كريمٍ يقوده علي بن ناصر،
ليوقّع اتفاقيةَ الصداقة والتبادل التجاري عام 1839.
كانت عُمان، في عهده، صوتًا عاقلًا في عالمٍ متقلب،
وصارت السفاراتُ العُمانيةُ نجومًا على خرائط السياسة الدولية.
مع المجد السلطاني .. سادة أوفياء
مع السلطان السيد سعيد، كانت نخبةٌ من السادة الأوفياء الذين حملوا همَّ الدولة على أكتافهم،
وفي مقدّمتهم عمه السيد محمد بن الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي،
الرجل الذي جمع بين الحنكةِ والبصيرة،
وكان لسانَ الدولة في المفاوضات،
وعينَها في دروب السياسة الوعرة.
استنار السلطان برأيه في أدقِّ القضايا وأصعب المواقف،
فكان صوتهُ الحكيم إذا اضطربت الأصوات،
وجسرَ التفاهم بين عُمان وإفريقيا،
يمضي بخطى ثابتةٍ من ضوءٍ ودهاء،
حتى غدت كلماتهُ مرسىً للاتفاق،
وحضورهُ توقيعًا من هيبةٍ ووقار.
ويُروى عنه أنه كان محبًّا للعلماء والمفكرين والأدباء والشعراء،
يأنسُ بمجالسهم، ويستضيءُ بحديثهم،
فكان مجلسهُ ملتقى الفكر والعقل والوجدان،
تُصاغُ فيه الرؤى كما تُصاغُ القصائد،
ويُكتبُ فيه التاريخ بالحكمة قبل الحبر.
عندما تتحدث العمارة
بنى السلطان السيد سعيد عمارةً تُجيد الكلام.
قصوره لم تكن للحُكم فقط، بل مدارس في الجمال ..
الأقواسُ من الطين، والزخارفُ من روح الشرق،
والنوافذُ تفتحُ على المحيط،
كأنها عيونُ الدولة وهي تحرس آفاقها.
في زنجبار، شُيّدت المدارسُ والمطابع،
وانتشر النور من بين جدرانها كما ينتشر الدعاء من مسجدٍ فجرًا.
وفي مسقط، ارتفعت القلاعُ شامخةً فوق الجبال،
تجمع بين الحصانة والفن،
بين حجارةٍ تُقاتل ورياحٍ تُغنّي.
القرن الإفريقي .. الامتداد الذي نطق بالعربية
من ممباسا إلى مقديشو،
ومن لامو إلى مدغشقر،
كانت رايةُ عُمان تخفقُ فوق السواحلِ والقلوع.
امتدَّ نفوذها لا بالقوةِ، بل بالقدوة.
بالسلوكِ الطيبِ للتجّار،
وبالعدلِ الذي يحمله القضاة،
وباللغةِ العربية التي تماهت مع السواحلية،
فولدت هويةً جديدةً تُشبه المحيط
واسعةً، طيبةً، شفافة.
الشرقُ الذي صافح الغرب
امتدت الدولةُ العُمانية إلى الهند وفارس،
إلى بندر عباس وقشم وميناب،
حيث التقت المصالحُ بالأخلاق،
والملاحةُ بالسياسة.
كانت إمبراطوريةً تربط آسيا بإفريقيا،
لا كفاتحٍ ومستعمِر، بل كصديقٍ وشريكٍ.
في كل ميناءٍ حلّت فيه سفينةٌ عُمانية،
كانت تصل معها رسالةٌ من السلطان السيد سعيد تقول:
“جئنا نحملُ التجارةَ والسلام، لا المدافعَ والخصام.”
السلطان الذي كتب على الماء سيرةً لا تُمحى
وفي مساءٍ من أكتوبر 1856م،
على ظهر سفينة فكتوريا التي أحبّها،
أسلم السلطان السيد سعيد إمبراطور البحار روحه للبحر،
كمن يُودّع صديقًا قديمًا.
لكن البحر لم يبتلعه،
بل حمل اسمه على كل موجةٍ تمرُّ بعُمان وزنجبار،
وكل رائحةِ قرنفلٍ تفوح في الأسواق،
وكل ميناءٍ ما زال يُنادي بالعدل والتسامح.
النهج الذي لا يأفل
يا سعيد، يا ابن الإمام والسلطان سلطان، يا حفيد الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي،
علّمتنا أنَّ الأوطان لا تُقاسُ بخطوطٍ على الرمال،
بل بأحلامٍ تُزرع في القلوب،
وأنَّ الدولةَ التي تُشيَّد بالعدل،
تظلُّ قائمةً ولو غاب العمران.
أريتَنا أن السفينةَ التي يقودها الضميرُ لا تضلُّ طريقها،
وأن البحرَ إذا أحبَّ ربّانه، فتح له سماءه وموجه معًا.
سلامٌ عليك، أيّها السلطانُ الذي جعل من البحرِ وطنًا،
ومن الوطنِ بحرًا من النورِ والرحمة.
وسلامٌ على عُمان،
تُبحرُ في التاريخِ كما تُبحرُ في الحاضر،
تحملُ مجدها في أشرعتها،
وتنشرُ عبيرها في الآفاق،
لتبقى ما دامتِ الشمسُ تُشرقُ من الشرق ..
رايةً من ضياءٍ لا يأفل،
وحلمًا لا ينام.



























