الصحوة – علي الحداد
ساعة الامتحان .. ورجل يجمع الشّتات
لكلِّ وطنٍ ساعةُ امتحان،
ولكلِّ امتحانٍ رجلٌ يلمُّ الشّتات ويوقظ في الأرض نبضها.
وفي سفرِ عُمان الحديثة،
أشرق ضياءٌ آخر من صلالة ومسقط:
ضياءُ السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي،
الذي أعاد للبلاد اسمها الواحد،
ورسم للجبال والسهول شعارًا واحدًا: عُمان.
حين استوت الراية على السارية
لم تكن مهمّته زينة لقب،
بل رحلة شاقّة تمتد من ضيق الساحل إلى سَعة الوطن.
جمع أطراف البلاد كما تجمع الأمُّ دفء الثوب على طفلها،
من مسقط والباطنة إلى صور وجعلان،
ومن نزوى والجبل الأخضر إلى ظفار.
كانت الخطوة الأولى: وحدة الأرض،
والخطوة الثانية: طمأنينة الناس،
وبينهما حكمة رجلٍ يعرف أن الدولة تبدأ من القلب قبل الخرائط.
أجنحة قليلة.. لكنها قالت الكثير
لم يكن من السلاطين الذين يكثرون الأسفار؛
فقد آثر السكينة في ربوع بلاده،
ووجد في صلالة ومسقط ما يغنيه عن عواصم الدنيا.
ومع ذلك، حملته الأيام في شبابه ورجولته
إلى محطات قليلة العدد، عظيمة الدلالة والمعنى.
رحلاتٌ قليلة، لكنها كشفت رؤية رجل دولة،
لا يقيس العالم بعدد الرحلات،
بل بصدق المقاصد ورجاحة البصيرة.
من القاهرة والإسكندرية،
حيث يمتزج ماء النيل بحكمة الأزهر،
إلى القدس ويافا،
حيث تسير القباب فوق ذاكرة الأنبياء،
وتتجاور الروح مع التاريخ على حجرٍ واحد.
ومن بومباي التي تضجّ بروائح البحر وتجار الشرق،
إلى لندن التي استقبلته في زيارة رسمية نادرة،
جلس فيها مع رجال السياسة والبحر،
يحاورهم بلهجة تجمع الاعتزاز بالتواضع.
ثم كانت له في باكستان وقفة قصيرة،
لم تكن عبورًا عابرًا،
بل محطة تتعلّق بخرائط دول ومسؤوليات شعوب.
رحلات صامتة كخطاه،
لكنها قالت للعالم ما يفهمه من يُصغي:
عُمان أولًا.. والوطن هو الرحلة الأكبر.
جبال تُصغي .. وبوادي تُبايع
على سفوح الداخل،
حيث تتجاوب الأودية بصوت القبائل،
نسج السلطان خيوط التماسك؛
بالحكمة حين تُجدي الحكمة،
وبالحزم حين يستدعي الموقف الحزم.
فانطفأت شرارات التفرّق،
وسرت في الأودية كلمة واحدة:
أن الأرض التي تجمع أبناءها أقوى من كل خلاف.
ملح الكفاف وماء البدايات
في بدايات حكمه،
كانت خزائن الدولة ضيقة كيدٍ تقبض على الجمر.
ومع ذلك، تمسّك بسياسة الكفاف،
حتى جاء النفط بعد صبرٍ طويل،
فأضاء المدارس والمستشفيات والطرق،
وأصدر العملة الوطنية،
وبدأت معالم الدولة الحديثة ترتسم على مهل.
رجال يتساندون تحت ظل الدولة
لم يمشِ وحده،
فالبلاد قدّمت له رجالًا
يحملون همّ الوطن،
ويتقاسمون معه صعوبات المرحلة.
كانوا صوته في القبائل،
ومجالسه في المدن،
وجسوره إلى مرحلة أكثر استقرارًا.
الأب الذي مهّد للأفق .. والابن الذي شقّ النهار
وحين دقّت ساعة التحوّل،
استلم قابوس إرث الوحدة،
فانطلقت النهضة على طريق
ممهّد بجهد السنين وصبر الرجال.
ولذلك،
يُشار إلى الأب .. باني وحدة عُمان،
ويُشار إلى الابن .. باني نهضتها.
أثرٌ لا تُغيّبه العواصف
يا سعيد بن تيمور،
يا من ربطت الرمل بالرمل،
والبيوت بالبيوت،
علّمتنا أن الخريطة ليست خطوطًا على ورق،
بل عهدٌ يُكتب في القلوب.
وأن الدولة تُصان بالأمانة ،
وأن السفينة التي يقودها القلب
لا تخاف عاصفة، ولا تضلّ طريقًا.
سلامٌ عليك،
وسلامٌ على عُمان التي تمضي
من وحدة الأمس إلى نهضة اليوم،
ترفع رايتها بلا خصومة،
وتُبحر باسمها بلا إساءة،
وتبقى مشرقة ما دامت الشمس تُشرق .



























