الصحوة – علي الحداد
في عالم تُحرّكه العواصف، وتُثقله الذاكرة المتخمة بالنزاعات، تحتاج السياسة إلى مكان يُعاد فيه ترتيب إيقاعها، مكان يُتيح للعقل مساحة أوسع، ويمنح القرار فرصة لالتقاط أنفاسه قبل أن يتخذ مساره.
ومن بين خرائط العالم، تختار الكثير من الدول أن تتجه نحو مسقط المدينة التي لا تدعي دورًا، لكنها تؤديه بإتقان لافت حيث تُقام خلوة مسقط للوساطة كإحدى أرقى منصات التفكير الدبلوماسي في الشرق الأوسط.
هذه الخلوة ليست انعقادًا موسمياً لفاعلية دولية، بل محطة تعيد من خلالها المنطقة قراءة نفسها على ضوء خبرات قادمة من الشمال، ورؤية متجذرة في الشرق، وإدارة تُتقن جمع النقيضين في مساحة واحدة.
فمن منتدى أوسلو للوساطة جاءت الفكرة الأولى .. بناء منصاتٍ تتجاوز الطقوس الرسمية، إلى تفكيرٍ يسمح للخبراء والأطراف بالتعامل مع الصراعات كظواهر قابلة للفهم، لا كأقدار لا تُمسّ.
وحين وجدت الفكرة طريقها إلى مسقط، اكتسبت بُعدًا إضافيًا، بُعدًا لا تمنحه إلا البيئات القادرة على احتواء التعقيد دون أن تتورّط فيه.
إن انتقال جزء من إرث أوسلو إلى سلطنة عُمان ليس تحركًا رمزيًا، بل إعادة توزيع للثقة في خارطة الحوار الدولي ، إذ أصبح للشرق الأوسط فضاء يلتقي فيه الفاعلون بعيدًا عن التوترات التي ترافق الاجتماعات التقليدية، وفي بيئة تُبنى فيها القرارات على تحليل هادئ لا على استجابة آنية.
وفي قلب هذه الحركة الاستراتيجية يقف معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، مُمسكًا بخيوط إدارة دقيقة، تُعيد ترتيب المسافات بين الأطراف بما يسمح لهم بالحديث عن قضاياهم من موقعٍ آمن، وبما يمنح الحوار مسارًا مسؤولًا.
لمعاليه أسلوب لا يشبه المعتاد ..
أسلوب يعتمد على هندسة الصمت المحسوب، وإدارة التفاصيل بما يكفي لبناء الثقة، وتحديد اللحظة التي يتقدم فيها الرأي، واللحظة التي يُفسح فيها المجال للآخرين كي يضعوا تصوراتهم فوق الطاولة.
هذه القدرة ليست نتاج منصب، بل نتاج تراكم خبرة طويلة في قراءة طبقات المنطقة والتعامل مع تناقضاتها من دون أن تنزلق إلى اصطفاف.
وما شهدته مسقط خلال أربعٍ وعشرين ساعة من لقاءات رفيعة من دول الخليج إلى بلاد الشام، ومن إيران إلى مؤسسات دولية، مرورًا بالفاعلين الإقليميين ليس مجرد حركة دبلوماسية، بل مؤشر على أن العاصمة العُمانية أصبحت نقطة جذب للحوارات التي تحتاج إلى عقلانية صافية، وإدارة متزنة، ومكان يتعامل مع القضايا وفق وزنها الحقيقي، لا وفق ضجيجها الإعلامي.
تبدو الخلوة في نسختها الحالية أشبه بغرفة عمليات ذهنية، تُعيد تشكيل الطرق المؤدية إلى التفاهمات الممكنة، وتبحث في مستقبل الملفات الكبرى من اليمن إلى غزة، ومن العلاقات الإقليمية إلى مستويات التوتر في فضاءات المتوسط والبحر العربي، وتفكّر في كيف يمكن تحويل نقاط الخلاف إلى مساحات مشتركة تُبنى عليها حلول تدريجية.
إنّ تلك القدرة قدرة تحويل الاختلاف إلى مادة للحوار لا تأتي إلا من دولةٍ أتقنت عبر عقود بناء نهج تقوم عليه السياسة الخارجية العُمانية:
نهج يضع الاستقلالية قبل الانحياز، والاتزان قبل الاندفاع، واحترام العلاقات قبل اختبارها.
ولذلك أصبحت مسقط ليست موقعًا تُعقد فيه اللقاءات فحسب، بل موقعًا تتشكل فيه مقدمات الحلول التي تحتاجها المنطقة.
إن خلوة مسقط للوساطة، مساحة تُصاغ فيها الأفكار الأولى قبل أن تتحول إلى مسارات معترف بها دوليًا.
إنها المكان الذي يتعامل مع المستقبل باعتباره مسؤولية لا رهانًا، والمكان الذي يذكّر المنطقة أنّ السلام ليس نتيجة لحظة، بل حصيلة رؤية تُصاغ بتأنٍ وتُدار بثقة.
وفي كل دورة جديدة، تقدم مسقط للعالم درسًا بسيطًا وعميقًا في آن،
أن الدول لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تمنحه للآخرين من طمأنينة.
وأن السياسة حين تتجاوز الانفعال، تصبح قادرة على أن تكون فنًا من فنون إعادة تشكيل العالم.
وهذا ما يجعل من سلطنة عُمان ومن معالي السيد بدر تحديدًا أحد أبرز الفاعلين الذين يُعيدون اليوم ترتيب الأفق السياسي للمنطقة، لا عبر القوة، بل عبر حضور رفيع يكتفي بأن يكون ثابتًا .. لأنه يعرف أن الثبات وحده يُعيد للعالم اتزانه .


























