الصحوة – علي الحداد
حين تُدار السياسة بعقل الدولة، لا يعود اللقاء حدثًا عابرًا، بل يتحوّل إلى علامةٍ فارقة في مسارٍ طويل من الشراكة والرؤية. ومن هذا المعنى العميق، جاء لقاء البدر والفيصل، لا بوصفه تلاقي أسماء في مشهدٍ دبلوماسي، بل باعتباره تعبيرًا عن حكمةٍ متراكمة، ورؤيةٍ تُصاغ بهدوء في مسار الشراكة العُمانية السعودية، حيث تُقدَّم البصيرة على الارتجال، ويُدار الاختلاف بمنطق الاتزان لا بردود الأفعال.
وانطلاقًا من وشائج التاريخ، ومتانة الجوار، واستجابةً للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، انعقد في مسقط الاجتماع الثالث لمجلس التنسيق العُماني السعودي، بوصفه محطةً متجددة في مسارٍ يُبنى على رؤيةٍ واعية تُدرك أن العلاقات الراسخة تُدار بالحكمة والثقة قبل السياسة.
لقد تجاوز المجلس، منذ انطلاقه، ليغدو منصةً استراتيجية تستشرف المستقبل، وتحوّل التفاهم السياسي إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ. وجاءت رئاسته المشتركة، ممثّلةً في معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، الركيزة الراسخة للدبلوماسية العُمانية الحديثة والمتجددة، ومهندسها الذي أسهم في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان بوصفها شريكًا موثوقًا وفاعلًا متزنًا في معادلات السياسة الإقليمية والدولية، وصاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، تجسيدًا لتلاقٍ استثنائي بين مدرسةٍ دبلوماسية عُمانية عُرفت بالهدوء والعمق وبعد النظر، ورؤيةٍ سعودية واضحة الملامح، تلاقٍ لا يكتفي بإدارة الملفات، إنما يُحسن صياغة الاتجاه، ويمنح العمل المشترك ثقله الاستراتيجي ومعناه السياسي الأبعد.
وفي مداولات الاجتماع، لم تكن اللغة لغة أمنيات، إنما خطاب إنجاز ومسؤولية. فقد تجلّى التقدم النوعي في مسارات التكامل الاقتصادي، والتجارة البينية، والاستثمارات المشتركة، بوصفه نتاجًا لإرادة سياسية ترى في التنمية المشتركة ركيزةً للاستقرار، وفي الاقتصاد جسرًا لتعزيز الثقة وترسيخ المصالح المتبادلة. وإلى جانب ذلك، تعمّق التعاون في المجالات الأمنية والعدلية، وتوسّع التبادل الثقافي والسياحي، بما يعكس شمولية الرؤية واتساع أفقها.
أما في البعد السياسي، فقد ظلّ التشاور العُماني السعودي نموذجًا في الاتزان، قراءةً هادئة لمعادلات الإقليم، ومواقف تنحاز للحلول الواقعية، وتحترم السيادة، وتُغلّب منطق الحوار على ضجيج الاستقطاب. وهي خصوصيةٌ راسخة جعلت من العلاقة بين مسقط والرياض عنصر توازنٍ لا غنى عنه في محيطٍ إقليمي شديد التعقيد.
وإذا كان اجتماع مسقط امتدادًا لاجتماع العلا، فإن رمزيتهما تتجاوز الجغرافيا، فالعلا بعمقها الحضاري، ومسقط بانفتاحها التاريخي، تمثلان معًا فلسفةً سياسية ترى في التاريخ مصدر إلهام، وفي الجغرافيا مساحة تلاقي لا تنازع. ومن هنا، برزت أهمية متابعة تنفيذ التوصيات، وتفعيل دور اللجان الفرعية والأمانة العامة، بوصفها الضمانة الحقيقية لتحويل الرؤى إلى نتائج ملموسة.
إن توقيع محضر الاجتماع الثالث لمجلس التنسيق العُماني السعودي يُقرأ بوصفه توثيقًا لمرحلةٍ أكثر نضجًا في مسار الشراكة، تتناغم فيها رؤية عُمان 2040 مع رؤية المملكة العربية السعودية 2030، في أفقٍ يضع الإنسان في صدارة الأولويات، ويجعل من الاستقرار والتنمية مسارًا واحدًا لا ينفصل.
وهكذا، فإن البدر والفيصل ليسا مجرد لقاءٍ دبلوماسي، بل عنوانٌ لمرحلةٍ تُدار فيها العلاقات بعقل الدولة، وتُكتب فيها الدبلوماسية بلغة الحكمة، وتُصان فيها الشراكة برؤيةٍ تعرف كيف تحمي الثوابت، وتفتح، في آنٍ واحد، نوافذ واسعة على المستقبل.


























