الصحوة – الدكتورة ثريا اليزيدية
في عصر السرعة وتدفّق المعلومات، لم يعد المريض ينتظر موعد الطبيب ليعرف ما يعانيه، بل بات الذكاء الاصطناعي هو المحطة الأولى لمعرفة التشخيص. بضغطة زر، يتحول القلق البسيط إلى قائمة طويلة من الاحتمالات، تبدأ بأمراض بسيطة وتنتهي بأمراض خطيرة جدًا، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل على الطبيب رفض هذا السلوك؟ أم احتواؤه وتوجيهه؟
إن الدور الحقيقي للطبيب في هذا العصر الرقمي، إذ لم يعد من الواقعي أو المفيد رفض هذا السلوك أو التقليل منه، بل إن الرفض المباشر قد يزيد من فجوة الثقة بين الطبيب والمريض ويُشعر المريض بأن قلقه غير مُقدَّر. الاحتواء الواعي هو الخيار الأكثر أمانًا وتأثيرًا، حيث يبدأ الطبيب بالاعتراف بحق المريض في البحث والمعرفة، ثم يقوم بتوجيه هذه المعرفة ووضعها في إطارها الطبي الصحيح. فعندما يشعر المريض أن طبيبه يستمع إليه ويحترم محاولته للفهم، يصبح أكثر استعدادًا لتقبّل التفسير الطبي المبني على الفحص السريري والتاريخ المرضي والخبرة العملية.
ويكمن الحل في تحويل الذكاء الاصطناعي من مصدر قلق إلى أداة داعمة، من خلال توضيح أن ما يقدمه من تشخيصات هو مجرد احتمالات عامة لا تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية، ولا السياق النفسي والاجتماعي، ولا التفاصيل السريرية التي لا يمكن تقييمها إلا في العيادة. دور الطبيب هنا هو الربط بين المعلومة الرقمية والواقع الصحي للمريض، وشرح لماذا قد تنطبق بعض المعلومات على حالة معينة ولماذا لا تنطبق أخرى، مع التأكيد أن القرار الطبي النهائي مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا يمكن تفويضها للتقنية.
كما أن على الطبيب استثمار هذا الوعي المتزايد لتعزيز الشراكة العلاجية، فالمريض المطلع غالبًا ما يكون أكثر التزامًا بالخطة العلاجية عندما يفهم أسبابها ومخاطر تجاهلها. وعوضًا عن الدخول في صراع حول من هو الأصح، يمكن للطبيب أن يقود الحوار نحو الهدف الأهم وهو سلامة المريض وطمأنته، مع وضع حدود واضحة تمنع الاعتماد على التشخيص الذاتي أو تناول الأدوية دون استشارة.
وفي المحصلة، فإن التشخيص الطبي باستخدام الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا مطلقًا ولا وعيًا صحيًا كاملًا بحد ذاته، بل هو أداة ذات حدّين، تعتمد نتائجها على طريقة استخدامها وتوجيهها. عندما يُترك المريض وحده في بحر المعلومات، قد يغرق في القلق وسوء الفهم، أما عندما يكون الطبيب حاضرًا كمرشد ومفسّر وشريك، فإن الذكاء الاصطناعي يتحول من بوابة للقلق إلى جسر للوعي الصحي المتوازن



























