حصريٌّ لـ«الصحوة» – فقدت سلطنة عُمان اليوم أحد أبرز رجالاتها الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة الدولة الحديثة، بوفاة صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى صباح الخميس 12 مارس 2026 الموافق 22 رمضان 1447هـ، بعد مسيرة طويلة في خدمة الوطن امتدت لأكثر من خمسة عقود، كان خلالها أحد أعمدة العمل الحكومي وأحد الوجوه البارزة في إدارة الشأن العام منذ السنوات الأولى لعهد النهضة المباركة.
ولد السيد فهد بن محمود آل سعيد عام 1944 في مسقط، وينتمي إلى أسرة آل سعيد الحاكمة في سلطنة عُمان، وهي الأسرة التي تتولى قيادة البلاد منذ القرن الثامن عشر. وقد نشأ في بيئة سياسية وإدارية أسهمت في تكوين شخصيته القيادية، قبل أن يتجه إلى استكمال تعليمه خارج سلطنة عُمان، حيث حصل على درجة في التجارة من جامعة القاهرة، وهو ما أتاح له الاطلاع على تجارب إدارية واقتصادية مختلفة في مرحلة مبكرة من حياته.
مع بزوغ فجر النهضة المباركة في سلطنة عُمان عام 1970، برز اسم السيد فهد بن محمود ضمن الجيل الذي أسهم في بناء مؤسسات الدولة العصرية. وفي عام 1971 بدأ مسيرته الرسمية في العمل الحكومي، حيث تولى مهام في وزارة الخارجية في مرحلة كانت سلطنة عُمان تعمل خلالها على تأسيس جهازها الدبلوماسي والانفتاح على المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة.
وفي نوفمبر 1971 عُيّن وزير دولة، قبل أن يتولى في مرحلة لاحقة مسؤولية وزارة الإعلام والثقافة لفترة وجيزة، وهي مرحلة شهدت وضع اللبنات الأولى للقطاع الإعلامي الرسمي في سلطنة عُمان. غير أن التحول الأبرز في مسيرته جاء في 23 يونيو 1972 عندما صدر القرار بتعيينه نائبًا لرئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، وهو المنصب الذي ظل يشغله لعقود طويلة، ليصبح أحد أطول المسؤولين بقاءً في موقع حكومي في تاريخ سلطنة عُمان الحديث.
وخلال تلك السنوات، اضطلع السيد فهد بن محمود بدور محوري في إدارة العمل الحكومي وتنسيق أعمال مجلس الوزراء، حيث كان يتولى الإشراف على متابعة تنفيذ السياسات الحكومية وتنظيم اجتماعات المجلس، كما كان يترأس العديد من الاجتماعات الرسمية، ما جعله أحد أبرز الشخصيات الإدارية والسياسية في بنية الدولة العمانية.
كما عُرف بحضوره الدبلوماسي في المحافل الإقليمية والدولية، حيث مثّل سلطنة عُمان في عدد كبير من القمم والمؤتمرات الدولية والاجتماعات الخليجية والعربية، وأسهم في نقل المواقف العمانية التي اتسمت عبر العقود بالاعتدال والانفتاح والدعوة إلى الحوار.
ولم يقتصر حضوره على العمل الحكومي فحسب، بل كان كذلك أحد أقدم أعضاء مجلس العائلة المالكة، وهو المجلس الذي تضطلع به الأسرة الحاكمة في القضايا المفصلية المتعلقة بنظام الحكم. وقد برز دوره ضمن الشخصيات التي شاركت في الإجراءات الدستورية المرتبطة بانتقال الحكم في سلطنة عُمان بعد وفاة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- عام 2020.
وعلى الصعيد الاقتصادي والمؤسسي، ارتبط اسم السيد فهد بن محمود بعدد من المبادرات التي واكبت مرحلة بناء الاقتصاد الوطني، إذ كان من بين المؤسسين لشركة عُمان لخدمات الطيران عام 1981، في مرحلة شهدت توسعًا في تطوير البنية الأساسية لقطاع الطيران والخدمات المرتبطة به.
وخلال مسيرته الطويلة، حظي السيد فهد بن محمود بعدد من الأوسمة والتكريمات تقديرًا لدوره في خدمة سلطنة عُمان، من أبرزها وسام التأسيس من الدرجة الأولى الذي مُنح له في سلطنة عُمان، إلى جانب تكريمات إقليمية ودولية في مجالات العمل العام والخدمة المجتمعية.
وعُرف الراحل بشخصيته الهادئة وأسلوبه الدبلوماسي المتزن، كما اشتهر بقدرته على إدارة الملفات الحكومية المعقدة بهدوء وحكمة، الأمر الذي جعله على مدى عقود أحد أبرز رجالات الدولة الذين حافظوا على حضور ثابت في المشهد السياسي العماني.
برحيل صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، تفقد سلطنة عُمان شخصية لعبت دورًا مهمًا في تثبيت مؤسسات الدولة الحديثة ومواكبة مسيرة النهضة العمانية منذ بداياتها، إذ ارتبط اسمه بفترة طويلة من العمل الحكومي والإداري الذي امتد لأكثر من خمسة عقود، ليظل أحد أبرز الوجوه التي رافقت مراحل بناء الدولة وتطورها.
وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة التاريخ العماني المعاصر، بوصفه أحد رجالات النهضة الذين أسهموا في ترسيخ مؤسسات الدولة وخدمة الوطن بإخلاص وتفانٍ عبر مسيرة حافلة بالعطاء.



























