حصريٌّ لـ«الصحوة» – لم تكد آثار المنخفض الجوي “المسرّات” تتلاشى، حتى برزت ظاهرة بيئية لافتة في عدد من المحافظات الشمالية، تمثّلت في انتشار ملحوظ للذباب والبعوض، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذه الزيادة المفاجئة رغم توقف الأمطار. وتؤكد المعطيات البيئية أن ما يحدث ليس طارئًا، بل نتيجة طبيعية لتفاعل عدة عوامل تبدأ مع هطول الأمطار وتستمر لأيام لاحقة.
وتُعدّ المياه الراكدة العامل الأبرز في هذه الظاهرة؛ إذ تخلّف الأمطار تجمعات مائية صغيرة في الحفر والتجاويف وبين المخلفات، توفّر بيئة مثالية لتكاثر البعوض. وتضع الأنثى بيضها في الماء، ليفقس خلال فترة قصيرة، فيما تكتمل دورة الحياة خلال نحو أسبوع في الظروف المناسبة، ما يفسّر الزيادة السريعة في الأعداد خلال فترة وجيزة.
كما تلعب الرطوبة المرتفعة بعد الأمطار دورًا مهمًا في بقاء الحشرات ونشاطها، إذ تساعد على إطالة عمرها وتقليل فقدانها للماء، بينما تساهم درجات الحرارة الدافئة في تسريع نمو اليرقات وتحولها إلى حشرات بالغة خلال أيام، ما يخلق ظروفًا مثالية لانتشارها.
أما الذباب، فيرتبط انتشاره بتراكم المواد العضوية الرطبة، مثل بقايا النباتات والمخلفات التي خلّفتها الأمطار، حيث يجد فيها بيئة مناسبة للتغذية والتكاثر. ومن اللافت أن ذروة انتشار هذه الحشرات لا تكون أثناء هطول الأمطار، بل بعد توقفها، حين تستقر المياه وتتحول إلى بيئات راكدة ملائمة لبدء التكاثر.
وتُسهم طبيعة التضاريس في سلطنة عُمان، خاصة في المناطق الجبلية والأودية، في احتجاز المياه لفترات أطول، ما يعزز من فرص تكاثر الحشرات. ويصف مختصون هذه الحالة بـ“الانفجار البيولوجي”، حيث تتضاعف أعداد الحشرات بسرعة نتيجة توفر الظروف المناسبة دفعة واحدة.
وفي المقابل، تتواصل جهود البلديات في مختلف المحافظات للتعامل مع هذه الظاهرة والحد من آثارها. فقد كثّفت بلديات محافظة الداخلية حملات الرش الميدانية في عدد من الولايات، ضمن حملات مشتركة مع الجهات الصحية، استهدفت مواقع تجمع المياه والمناطق السكنية، في إطار الحد من نواقل الأمراض وتعزيز الصحة العامة.
كما نفّذت بلديات محافظات مسندم وجنوب الشرقية وشمال الشرقية وشمال الباطنة أعمالًا مكثفة شملت سحب تجمعات المياه، وإزالة مخلفات الأمطار، وتكثيف رش المبيدات الحشرية باستخدام تقنيات متعددة مثل التضبيب الحار والبارد، إلى جانب شفط المستنقعات وتنظيف الأودية، وهي إجراءات متكاملة تهدف إلى تقليل بيئات تكاثر الحشرات والحد من انتشارها.
وفي المحصلة، فإن زيادة الذباب والبعوض بعد “المسرّات” تُعد نتيجة طبيعية لتكامل عوامل المياه والرطوبة والحرارة، بينما تسهم الجهود الميدانية في احتواء هذه الظاهرة تدريجيًا، مع استمرار جفاف التجمعات المائية خلال الأيام المقبلة.


























