حصريٌّ لـ«الصحوة» – في قلب حارة العقر التاريخية بولاية نزوى، وبين جدرانٍ كانت يومًا مقرًا لبيت المال التابع لسلطة الإمام، وُلد عام 1940 أول موقع للطب الحديث في نزوى. إنه “بيت القنيطرة”، الذي تحوّل بقرار استثنائي من الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى مستشفى مؤقت استضاف الطبيب الأمريكي الشهير ويلز طومس، القادم من مطرح بناءً على طلب السلطان سعيد بن تيمور لعلاج الإمام نفسه بعد أن أصيب بضعف في عينيه.
حين وصل الدكتور طومس إلى نزوى، لم يكن المكان مجهزًا كمستشفى، لكنه سرعان ما تحوّل إلى مستوصف صغير يستقبل المواطنين، بإذن مباشر من الإمام الخليلي الذي فتح له الباب للعمل “بسلام في أرضنا”. بذلك، صار بيت المال مركزًا لعلاج الناس بأدوات وأساليب لم يعرفوها من قبل، لتبدأ نزوى رحلتها مع الطب الحديث من بوابة «القنيطرة».
الدكتور طومس لم يمكث طويلًا في نزوى؛ فقد كانت زيارته مؤقتة، لكن أثرها بقي حاضرًا في ذاكرة الأهالي. عمله الرئيس ظل في مستشفى الإرسالية الأمريكية بمطرح، حيث واصل خدمة العمانيين لثلاثة عقود متواصلة حتى تقاعده عام 1970. لكن مجرد دخوله إلى الداخل العُماني في الأربعينيات، كان حدثًا لافتًا في سياق علاقة الإرسالية بالعمانيين، إذ مثّل أول نافذة للتلاقي بين الطب الحديث والمجتمع التقليدي في نزوى.
ومع تولي السلطان قابوس الحكم، انتقلت العيادة من «القنيطرة» إلى منطقة البُحير بدارس، حيث جُدد المبنى ليصبح مركزًا للطب الشعبي. ورغم تغيّر الوظيفة، ظل المكان شاهدًا على أول تجربة طبية حديثة عرفتها نزوى. وفي عام 2024، أعيد افتتاحه بعد ترميمه تحت اسم «دختر»، ليُعرض اليوم كمعلم تراثي يحكي حكاية دخول الطب الحديث إلى قلب سلطنة عُمان الداخلي، ويكون عيادة للطب الشعبي والطب البديل، ومركزًا للحجامة والأعشاب.
إن حكاية «القنيطرة» ليست مجرد فصل من الماضي، بل بذرة أزهرت لاحقًا في المستشفيات والمراكز الطبية الحديثة التي تغطي سلطنة عُمان اليوم. وبينما تحافظ الحارة العتيقة على ملامحها، ويبقى «بيت القنيطرة» شاهدًا على اللحظة التي فتحت فيها نزوى أبوابها للطب الحديث، حيث التقت تقاليدها العريقة مع معارفٍ جديدة تركت أثرًا لا يزول.



























