حصريٌّ لـ«الصحوة» – في خطوة تشريعية تُعد من أبرز التحولات التنظيمية في ملف التنمية الحضرية بسلطنة عُمان، صدر المرسوم السلطاني رقم (2026/58) بإصدار قانون التخطيط العمراني، ليؤسس إطارًا قانونيًا جديدًا لإدارة التنمية العمرانية، وتنظيم استعمالات الأراضي، وتوجيه التوسع الحضري، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040» ومتطلبات التنمية المستدامة.
ونشرت الجريدة الرسمية في عددها رقم (1649) تفاصيل القانون الجديد، الذي جاء في ستة فصول متكاملة، واضعًا منظومة تشريعية شاملة تشمل الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، والاستراتيجيات العمرانية للمحافظات، والمخططات الهيكلية والتفصيلية، إلى جانب أحكام الضبط والعقوبات المرتبطة بالمخالفات التخطيطية.
ويرتكز القانون على منح وزارة الإسكان والتخطيط العمراني الدور المحوري في إعداد وإدارة ومتابعة الاستراتيجيات والمخططات العمرانية على المستوى الوطني والمحلي، مع إلزام مختلف وحدات الجهاز الإداري للدولة والأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة والأفراد بالتقيد بالمخططات والاستراتيجيات المعتمدة.
ويعرّف القانون «الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية» بأنها الإطار الذي يحدد الرؤية المستقبلية للتنمية العمرانية على المستوى الوطني، بما يشمل الأهداف والسياسات والمعايير وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمشروعات المرتبطة بها، فيما عرّف «الاستراتيجية العمرانية للمحافظات» بأنها الإطار الخاص بكل محافظة وفق طبيعتها وميزاتها النسبية.
كما وضع القانون تعريفات تفصيلية للمخططات المكانية والهيكلية والتفصيلية، وحدد مفهوم «مناطق التخطيط ذات الطبيعة الخاصة» التي تمتلك خصائص بيئية أو جيولوجية أو اقتصادية أو ثقافية تستوجب معايير تخطيطية مختلفة.
وفي جانب التخطيط الوطني، نصت المادة (10) على مجموعة من الأهداف التي يجب أن تحققها الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، من بينها إنشاء مدن مرنة وملائمة للعيش، والمحافظة على الهوية العُمانية، وتعزيز حماية البيئة، والتكيف مع تغيرات المناخ، وتحقيق الأمن الغذائي وكفاءة إدارة الموارد المائية، إضافة إلى دعم النمو والتنويع الاقتصادي، وتطوير شبكات نقل وبنى أساسية فعالة.
كما أولى القانون أهمية واضحة للاستدامة البيئية؛ إذ أوجب تضمين المخططات المكانية لمناطق المحميات الطبيعية، ومناطق التراث الثقافي، ومناطق الموارد الطبيعية، والمناطق المخصصة للطاقة المتجددة، وشبكات النقل الوطنية، والنطاقات الزراعية.
وعلى مستوى المحافظات، ألزم القانون الوزارة بإشراك المحافظات في جميع مراحل إعداد وتحديث الاستراتيجيات العمرانية والمخططات الهيكلية والتفصيلية الواقعة ضمن نطاقها، مع مراعاة الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لكل محافظة.
وفي جانب المخططات الهيكلية، حدد القانون أنها تطبق على الأراضي التي تستوجب تنميتها وفق الدراسات التخطيطية، سواء على مستوى ولاية أو أكثر، أو أجزاء من ولايات متعددة، على أن تتضمن تحديد مناطق التنمية المستقبلية، ومسارات البنى الأساسية، وخطوط النقل، ومناطق الحماية البيئية، والمناطق التي تتطلب اشتراطات بنائية خاصة، إضافة إلى «حدود توجيه التنمية العمرانية» المعروفة بمفهوم الاحتواء الحضري.
أما المخططات التفصيلية، فقد جاءت أكثر دقة في تنظيم تفاصيل العمران داخل الولايات، حيث نص القانون على تحديد حدود الأراضي واستعمالاتها وأحراماتها، وأنواع البناء وأبعاده وعدد الطوابق، ومسارات البنى الأساسية والطرق وتصنيفاتها، فضلًا عن مواقف المركبات، والمرافق المجتمعية، والمساحات الخضراء، ومناطق الأفلاج، وأنظمة الحماية من الفيضانات، ومناطق الامتياز والتعدين، وأحرامات الشواطئ.
كما منح القانون المحافظات حق اقتراح إعداد مخططات تفصيلية جديدة ورفعها إلى الوزارة مع بيان المبررات، في خطوة تعزز دور المحافظات في رسم أولويات التنمية المحلية.
ومن أبرز الجوانب التي ركز عليها القانون، اشتراط مراعاة الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية عند إعداد المخططات العمرانية، بما يشمل متطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة، والاحتياجات الدينية والصحية والتعليمية والثقافية والرياضية، ومتطلبات الأمن والطيران المدني، والحفاظ على المباني التاريخية والمعالم التراثية، فضلًا عن تقييم الآثار البيئية والمناخية وإدارة النفايات ومياه الصرف الصحي.
كما ألزم القانون بإرفاق تقرير فني مع كل مخطط هيكلي أو تفصيلي، يتضمن أهداف المخطط، والنمو العمراني، والبنى الأساسية، وإدارة البيئة والتراث الطبيعي، واستدامة الموارد، وخطط التنفيذ، ومعايير التخطيط، والاستراتيجيات القطاعية المرتبطة به.
وفي إطار تعزيز الرقابة على الالتزام بالمخططات العمرانية، منح القانون بعض الموظفين صفة الضبطية القضائية، كما أجاز للوزارة – بالتنسيق مع البلدية المختصة – وقف أي تعدٍّ يقع على المخططات الهيكلية أو التفصيلية المعتمدة.
وشدد القانون على العقوبات المرتبطة بالمخالفات التخطيطية؛ إذ نصت المادة (35) على معاقبة كل من يخالف أو يعتدي على مخطط هيكلي أو تفصيلي معتمد بالسجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ستة أشهر، وبغرامة تتراوح بين 500 و5000 ريال عماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
كما أوجب القانون على المحكمة المختصة الحكم بإزالة المخالفة أو التعدي، إضافة إلى العقوبات الجزائية، فيما أجاز للوزير أو من يفوضه التصالح في بعض الجرائم قبل صدور الحكم، مقابل دفع مبالغ مالية محددة.
ويمثل القانون الجديد نقلة تنظيمية مهمة في مسار التخطيط العمراني بسلطنة عُمان، خصوصًا مع التوسع الحضري المتسارع، وتنامي الحاجة إلى مدن أكثر استدامة وكفاءة، وتنظيم استعمالات الأراضي والبنى الأساسية، وتحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة والهوية العُمانية، بما يضع إطارًا تشريعيًا واضحًا لمستقبل المدن والتجمعات السكانية خلال العقود المقبلة.


























