عائشة السيفية
ذهبتُ لمناقشَة البروفسُور اللاتيني الذي درَّسني واحدَة من أكثَر المواد متعَةً في الفصل الماضي حولَ درجتي التي أعطاني إيَاها حولَ بحثي عن التحوُلات العُمرانيّة في مسقط من منظور النقل.
– لقد منحتَني علامة (ب) وهيَ مخيبَة للآمال، هذهِ أقلّ درجَة حصلتُ عليها منذ بدأتُ الدراسَة هنا رغمَ أنني بذلتُ الكثير من الوقت والجهد في إعداد البحث. أرغب في معرفَة ثغرَات بحثي ومسَاحات تطويره.
بحثك جيد وواضح أنك اعتنيت بإعداده جيدا.. لكنك لم تُشركي النظريَات الفلسفيّة في تطوّر المدُن.. ولم تكتَرثي للفقرَاء في بحثِك! أينَ يعيشُونَ في مسقط؟ وأينَ يعيشُ غير العُمانيين من ذوي الدخلِ المحدود؟ كيفَ يتنقلُون إذا كان نظام النقل أسسَ على التنقل بالمركبات!
الفقراء؟ لقد فعَلت. ذكرتُ أنّ ظهُور الأحيَاء السكنيّة الجديدة في الخُوض، المعبيلة وفلج الشام الجاذبة للعمانيين القادمين من خارج مسقط صاحبها توسّع لطبقة فقيرة غالبيتها آسيويَة في مناطق الحمريّة وروي والوادي الكبير ومناطق التمركز القديم للعمانيين في مسقط القديمة.
وأنّ خفوت سطوة القبيلة كمحدد أساسي للتكتلات السكانيّة سابقاً حلت مكانه بتخطيط من الحكومة القوة الشرائيّة كمحدد أساسيّ للتكتلات السكانيّة التي بدأت تظهر بناءً على قدرة الأفراد وثرواتهم على شراء الأراضي، فتجاورَ الأغنياء بجانب بعضهم في مناطق القرم وبوشر والعذيبة والغبرة والأحيَاء الجديدة في مناطق السيبِ وتجاور الأقلّ دخلاً في مناطق أخرى من مسقط.
لم تذكرِي كيفَ يتنقل الفقرَاء؟
لم أذكرهُ لشحِ المراجع الأكاديميّة، أستطيعُ ذكرهُ دونَ توثيق لكن ألم تكن لتحاسبني في الدرجَة لو ذكرتُها دونَ مصدر؟
بنظرَة متفحصة إلى هندامي: هل تعرفينَ حقاً كيفَ يتنقل الفقراء في مسقط؟
نعَم، إنّ عليهم المشي إلى الطرقات الرئيسيّة لإيقاف سيارات الأجرَة أو الوصول إلى نقاط باصاتِ “مواصلات” التي أطلقت منذ أقلّ من عامين. اللحمَة الاجتماعيّة تلعب دوراً فقد يعتمد أحدهم على أحدِ أقاربهِ لإيصاله إلى مكانٍ ما، بعضهُم يوقف سيَارات الغربَاء، والبعض في مجموعاتٍ كبيرة يستأجرون الميني باص بأجرَة ثابتَة مع أحدِ ملاكها. الآسيويون والعمال منهم خاصة يتنقلون بالنقل العام غالبا وبالدراجات الهوائية، ويندرُ أن يستخدمها العمانيون لكنْ مجدداً ، لا يوجَد مصدَرٌ لتوثيق شهادتي هذهِ.
لقد ذكرتِ في الورقَة أنّ عُمان كانت من أكثر دول العَالم تراجعاً قبل السبعين.. كيفَ كان يتنقلُ الناس؟
لقد ذكرتُ في الصفحة الثانيَة أنه لم تكن هنالك بنيَة أساسيَة إطلاقاً. لقد كانَ الناسُ يتنقلونَ عبر الجمالِ والحَمير وكانت السيارات حكراً على المسؤولين الحكوميين والبعثات الدبلوماسيَة والشركات النفطية الكبرَى.
لم تذكري أينَ ذهبت كل تلك الحمير والجمال؟
يا إلهي! ولماذا تريد أن تعرف أين ذهبت الجمال والحمير! ما هي الإضافة التي ستقدمهَا المعلومَة في البحث؟
ماذا عن السياسَات المنظمَة للنقل العام؟
لا توجَد لدينا سياسات للنقل العام
ينظر إليّ بشك… هل أنتِ متأكدة؟
نعم، صدر قانون للنقل البري قبل أشهر ولكننا لم نصل بعد لمرحلَة سياسات النقل العام. النظام لم ينضج بعد ليصل هذه المرحلة.
غير معقول؟
ولماذا لا تصدقني؟ بلادٌ كان شعبها يتنقل بالحمير والجمال قبل السبعين.. هل ستبدأ الدولة بالسياسات أولاً أم مشاريع البنى الأساسية؟ السياسَات مرحلَة متقدمَة من نضج الأنظمة.
لم تذكري ذلك في الورقة.. ثمّ بحركَة مسرحيّة يقول لي: لا تزعلي ولكن خاتمتك للورقة متعالية.. كأنك تقولين: حسناً لقد أسست عُمان لنظام نقل غير متنوع ومحتكر على السيارات .. إن هذا غير مستدام.. آه نعم بالمناسبة، هنالك فقراء ممن لا يتسقُ هذا النظام مع احتياجاتهم في التنقل.
أنتِ تدرسين في قسم التنمية والتطوير بلندن.. التحليل الاقتصادي والكمي غير كاف… الفقراء يأتونَ أولاً، نحنُ منحازون للفقراء وللطبقات المستضعفة.. نفكّر بهم ونسقط النظريات ونحلل نجاح الحلول الراهنة بناء على قدرتها على توفير فرص عادلة لكافة شرائح المجتمع.. لا تقنعيني أنهُ لا يوجد فقراء في مسقط..
أنظرُ إليهِ: ألا تعتقدُ أنكَ تقسُو عليّ؟ طبعاً يوجد فقراء وقد ذكرتُ ذلك مع الاعتذار إلى أنني لم أذكر أينَ ذهبت الجِمال والحَمير ومن يستخدِمها؟ (أقولها بتهكم)
كيفَ تتنقل النساءُ الفقيراتُ في مسقط ممن لا يملكن سيَارة؟
لا أعرف.. وإن عرفت فلن أجد مراجع موثقة
يعيدُ النظرَ مجدداً إلى هندامي ليشعرنِي أنني فتاة ثريَّة متخمة قررتْ بمحضِ الصدفَة أن تدرسَ تخصصاً يُعنى بالفقراء.. هل تركبين سيَارات الأجرة في مسقط؟
لا
لماذا؟
أولاً لأنني قادرة مادياً على التنقل بسيارتي وثانياً لأنه من غير المقبول كعرف اجتماعي الركوب في سيارة مع سائق أجرة غريب ناهيك أن السيارات بدون عداد كما ذكرت في البحث ولا تملك بطاقة تعريفية تحميني كراكبة. شبكة باصات النقل لم تصل للأحياء بعد ومناطق توقفها غير معبدة وتخلو من الخدمات كما لا يمكنني أيضا كعرف اجتماعي قيادة الدراجة الهوائية بينَ العموم (يتبادر إلى ذهني حينها قصة فريق سمائل النسوي للدراجات الهوائية) ومن غير الآمن قيادتها لأنه لا توجد بنية تحتية أو خطوط خاصة للدراجات الهوائية . أكمل: هذا ليس معناه أنني أتفق مع ذلك ولكنني أخبرك بأن الجانب الاقتصادي وضعف البنية الأساسي ليسا هو السبب فحسب ولكن النظرة المجتمعية.
حسناً.. أنتِ لا تعرفينَ كيفَ تتنقل النساء الفقيرات في مسقط! أعتقد أنّ هذا يكفي.. إن بحثكِ جيد وقدم لي شخصيا كباحث حقائق مدهشة عن بلد لا أعرفه لكن كانَ عليك أن تفكري في الفقراء أكثر وتغوصي أكثَر في تطبيق نظريات الفصل العنصري، والطبقيّة على التطور العُمراني في مسقط .. مع تفهمي لشح المراجع في منطقة الدراسة..
أفكر في داخلي: علي أن أبعث مسؤولي حكوماتنا في شحنة واحدة ليدرسوا في هذا القسم..
أغادرُ مكتبهُ.. لقدْ كانَ نقاشاً حاداً ولكنهُ مفيد.. الفقراء أولا.. الطبقية.. العمال الآسيويون.. سياسات النقل.. النساء الفقيرات.. الدراجات الهوائية.. سيارات الأجرة.. ولكنّ كل تلك الأسئلة بدت أقل حدة وغموضا من سؤال واحد: أينَ ذهبت كلّ الحمير والجمال بعدَ السبعين؟



























