الصحوة – محمد القري
للقيادة دور مهم في شحذ الهمم، والقدرة على تفعيل كل الموظفين لتحقيق الأهداف، ولا تتحقق إلا بالمزيد من الخبرة في حل المشكلات التي قد تتعرض لها المؤسسة أو الأفراد فيها. ولابد أن التعامل مع الموارد البشرية يتطلب الكثير من الدراية في علم النفس لا سيما أن التعامل مع البشر والذي يختلف من فرد إلى درجة أن لكلٍ أسلوب معين يقنعه أو يوجهه بالشكل الذي ينمي من قدراته ومهاراته وإمكانياته مع ما يتناسب واهتماماته.
كما أن أي نجاح لأي مؤسسة دائما ما يعبر عن مدى التجانس بين القائد والمرؤوسين، كفريق واحد، وهدف واحد، وامتيازات عادلة وبما يحقق للجميع القدرة على تحمل المسؤوليات، وسبل تطوير الجميع. ولا يتحقق ذلك إلا بصيغ لابد أن يمتلكها القائد أساسا ومن بينها، الحكمة والقدرة على اتخاذ القرارات المجزية، وومعرفته لمسؤولياته جيدا، وأن يتحلى بالأمانة والصدق والإبداع وأن تشغله مصلحة الوطن والمواطن والمؤسسة وتنميتها، بعيدا عن المصالح الشخصية.
حضرت قبل فترة بسيطة دورة تدريبية في مجال الموارد البشرية، وحكى المحاضر لنا قصة هادفة مفادها، بأنه عُين رئيس تنفيذي لإحدى الشركات في استراليا، وكان من عادة هذا الرئيس الجديد أن يحضر كل صباح إلى مقر الشركة ويطوف على الجميع، بابتسامته المعهودة، ويسلم على الجميع دون استثناء بدءا من عامل النظافة، والموظف البسيط ومرورا بالمديرين. ولأن الشركة كانت تعرف كيف تحصل على نتائج للمتغيرات، فقد سجلت أن انتاجية الفرد زادت وزاد الرضا الوظيفي بشكل غير معتاد.
هذه القصة التي حكاها حتى لو كانت من نسج الخيال، أظن أن تطبيقها على أرض الواقع سيحدث تغييرا إيجابيا فيما لو طبقت، ليس على مستوى الرضا الوظيفي فقط بل على مستوى الحالة النفسية للموظف أيضا والتي لها علاقة مباشرة بالانتاجية. ولابد أن ما يحدث في مؤسساتنا الحكومية قد يحمل نماذج مشرفة من هذا النوع. وهم كثر.
ومن الأشخاص الذين وجدت فيهم الحكمة والدراية في الأمور الإدارية الدكتور أحمد الريامي، الذي تقلد عمادة ثلاث كليات تطبيقية، وكنت أسأل بعض الطلاب عنه فكانوا يثنون عليه، كما أن تعاملي معه مدة أشهر جعلني أتيقن من حرصه ومسؤوليته الملقاة على عاتقه، وأحيانا أتعمد الاصطدام معه من أجل معرفة شخصيته، ولم يكن يغضب مني بل كانت ردوده دبلوماسية، ومواقفه تنم بالفعل عن شخص متزن لديه من النضج اللازم ليتقلد تلك المناصب وأكثر. وزاده ذلك تواضعه مع الجميع ومهارته في الاستماع والتواصل، ولا يخجل من أخذ رأي أحدهم ـ وهذه ميزة لا نجدها في كثير من أصغر الموظفين حتى ـ . ولا أقول ذلك مجاملة بل عن تجارب عديدة جمعتني معه، وعندما كانت تواجهنا مشكلة ما، لم يكن يحلها باللوم والوعيد والصراخ، على العكس من ذلك، فبعد فترة تجده أقرب إليك بمواقفه الأخوية مهما اختلفنا. وطوال وجودي معه، كنت أسأله بشيء من الشغف عن الإدارة والقيادة، والتاريخ. فتعلمت منه الكثير، خصوصا أنه مؤلف لأكثر من خمسة عشر كتابٍ في مجالات التربية وغيرها.
مرة قلت للدكتور أحمد: كيف تعرف الموظف؟ قال: أسأل عنه؟ فإذا كان الرد إيجابيا حاولت معرفة مهاراته لاستغلالها جيدا، وإن كان الرد سلبيا، لم أكتف بالرد، يقول، حصل أن سألت عن أحد الموظفين فقال لي المسؤول المباشر أنه لا يكلم موظفه ذلك بسبب موقف حدث معه، ولا يهمه أمره. وبما أن الكثير من الملاحظات السلبية وصلتني عنه فقد قررت دعوته خارج مقر العمل، وخلال اللقاء، تبادلنا الأحاديث الودية، ثم تتابعت الأسئلة وعرفت ما يشغل باله، وسعيت بما أستطيع لحل تلك التحديات، ومن يومها تغير تغيرا جذريا، أصبح أكثر انضباطا، وأكثر نشاطا وإنتاجية، حتى الموظفين الآخرين كانوا يسألونني ماذ فعلت به؟!
من هذا الموقف البسيط تعلمت بأن من ميزات القائد الحقيقي هو استشعار المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأنه معني عن كل موظف في مؤسسته، وقدرته على اكتساب المعرفة اللازمة لإيجاد الحل المناسب لأي تحدٍ، ولا يمكن أن يحدث ذلك بمعزل عن ما يحدث فعليا في بيئة العمل، وأن العمل الجاد لا يمكن تحقيقه بمعزل عن مكونات الطاقة الأساسية ونجاحها، وأحدها يتمثل في إمكانيات الكادر البشري.
ولابد أن ذلك يتطلب من القائد الاقتراب كثيرا من مرؤسيه، وأن لا يعزل نفسه في مستوى معين، ولا حرج أن يخصص وقتا ويخرج من مكتبه ليلتقي بموظفيه ويتحدث معهم بشكل ودي. وللأسف الشديد كما أخبرني أيضا بعض الموظفين في مؤسسات أخرى، بالكاد يشعرون بوجود بعض من يحملون على عاتقهم معنى القيادة، كونهم لا يتزحزحون في برجهم العاجي، بل أن زيارة بعضهم تعد حلول عاصفة هوجاء، لا تأتي إلا لإزعاج المحيط، فيزيد الإحباط إحباطا، والهمة والنشاط تقهقرا، والانضباط تسيبا. وعلينا أن لا ننظر إلى هذه الرسالة كنوع من تكسيد الهمم، أو أنها رسالة هدفها إظهار الجانب السلبي بمعنى الإثارة، أو كنوع من التحامل، فكلنا نعمل لهدف واحد، ولكنها ملاحظات يمكن لمن بقي في ضميره بعضا من المسؤولية أن يراجع نفسه، حبا لهذا الوطن الذي مدنا بالثقة. وأن يأخذ القيادي بالحسبان بأن الجميع دون استثناء ثروة وطنية لا ينبغي إهداراها والتملص من مسؤوليتها. وأن الجميع قادر على العطاء بإمكانياته، فيما لو عرف القيادي فعلا كيف يتصرف التصرف الصحيح مع موظفيه.


























