الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
صباح الجمعة العاشر من يناير، كل شيء يبدو هادئًا وطبيعياً، ولا ينبيء بشيء غير عادي، فالناس تسير وتأتي في زيارة الأرحام، وفي التبضع، ثم الاستعداد لصلاة الجمعة، لا شيء يُوحي حتي اللحظة بأنّ حدثاً جللاً سيصيب الأمة العمانية، وأن العالم كله سيرزأ بمصاب هائل .
بُعيد العصر، بدأت الكآبة تكسو ملامح السماء ، شعرت بانقباض يثقل كاهلي وصدري، وبدأت الوساوس السوداوية تلعب بأفكاري، زادت حركة المرور في الشوارع، نزل الظلام بسواده ولكنّ سواده هذه الليلة ازداد سواداً على غير العادة، وكأنه يشاركني سوداوية المشهد، هنا بدأت حركة غير طبيعية لسيارات ومعدات وآليات الجيش السلطاني التي تسير في قوافل متجهة نحو العاصمة مسقط.
يا إلهي ماذا يحدث!؟ الكل يتساءل والكل يُخمن، وقد أشيع وقتها بأنّ خطراً قادم يتهدد السلطنة، وهذه التحركات للجيش لقهر هذا الخطر وتأديب مصدره .
انتظر الناس أخبار العاشرة في التلفزيون العماني، لم يسمعوا شيئاً غير الأخبار المعتادة، وذهبوا بعد يوم طويل إلى مراقدهم والتفكير يلازمهم، أيقنت حينها، ربما لوحدي، بأنّ الله قد أخذ أمانته في عبده قابوس، ومع ذلك كنت احاول تكذيب نفسي، وأحاول تسليتها وتسريتها، لكن دون جدوى، آويت إلى فراشي بعد أخذ كمية من الأدوية كالمعتاد، ولأول مرة أضع هاتفي على خاصية الصوت أثناء النوم، وقبل الرابعة فجراً بدقائق معدودة جداً، قمت فأمسكت بالهاتف لأجد الرسالة النصيّة المشؤومة، هرعت إلى التلفاز وإذا بالمذيع يقرأ بيان نعي أعزّ الرجال وانقاهم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور طيّب الله ثراه، وقفت عقارب الساعة، ويكاد قلبي يقف معها، وتزلزلت الأرض تزلزلاً عظيماً ، انهمرت دموع الأمهات والأباء والشباب والشابات، وتبلد الأطفال من الحدث، وأخذوا يسألون عشرات الأسئلة عن أبيهم قابوس، عن ” أبشري قابوس جاء، فلتباركه السماء واسعدي والتقيه بالدعاء ..
ولكن لا أحد يقوى على الاجابة أو الردّ عليهم … المصاب مزق المهج، والفقد أدمى القلوب قبل العيون، فقابوس عشنا معه وبه وعاش معنا، أحببناه واحبنا كسلطان وأب وأخ وصديق، ولكنه قضاء الله وقدره ولا رادّ له، ولا نقول إلا إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وإنّا لفقدك يا قابوس لمحزونون .
عرف الشعب قابوس، وقد عرفهم، وخبروا بعضمهما جيدا وكان كل منهما يضع الآخر المنزلة التي يستحقها ويتبادلان الحب والاحترام والتقدير.
فجلالته يرحمه الله، يضع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي منزلة العلماء الأجلاء، فهو عنده ليس مفتياً عاماً للسلطنة فحسب، بل أكبر من هذا وأكثر، وسماحته يضع جلالته في منزلة سلطان البلاد وولي أمر الأمة وله السمع والطاعة فيما أطاع الله، علاقة قد لا يدرك طبيعتها إلا الاثنان لأن مفاتيح هذه العلاقة كانت بيديهما، لذا كان من الوفاء أن يتولى سماحة الشيح أحمد بن حمد الخليلي تغسيل وتكفين جثمان صاحبه وصديقه وإمامة المصلين عليه .
انطلق الموكب العسكري الجنائزي من قصر البركة، وقد لُفّ جثمان جلالته الطاهر بعلَم عمان، عمان التي أحبها فاحبته، وأخلص لها، فدانت له طواعية وقناعة بالوفاء والولاء والطاعة، واليوم لفقده
يبكيه برّها وبحرها وسماؤها وبشرها وشجرها وحجرها ومدرها، تبكيه المسرات والطيبات والرحمات والشامخات والراسيات والبركات، تبكيه جبال سمحان والأخضر وشمس، افتقدته عتمة الليل، وقد تبدد ظلامها بضوء سيارته، وهو يتفقد أحوال رعيته، لعله يصادف محتاجاً فيكفيه، أو يُصادف مظلوماَ فينصفه، يبكيه السلام الذي حمل رسالته ليُجنّب العالم الحروب والاقتتال والتهجير والتشريد والدمار والهلاك، وقد ظلّ رافعاً راية السلام حتى الأيام الأخيرة من عمره، تبكيه امرأة عربية أو أجنبية ثكلى، فقدت ابنها بسبب الأسر أو الخطف أو الاعتقال، فعمل رحمه الله على إطلاق سراحه، يبكيه مثل هذه الكثيرون في العالم أجمع .
ماذا عساي أن احصي من جمائله وفضائله عدداً ؟ أقولها مطمئنًا وبثقة، وأنا من الشاهدين :
” لن أقدر على ذلك أبداً ”
شقّ الموكب العسكري الجنائزي المهيب شارع السلطان قابوس، حتى وصوله جامع السلطان قابوس الأكبر، الذي جمع، غفر الله له، في هذا الجامع عند افتتاحه علماء وفقهاء العالم الإسلامي على محبة الله وطاعته، تقدّم إلى الجثمان أبو ذي يزن، وأبو تيمور ، وأبو نادر ، وأعضاء مجلس الدفاع المخلصين ، إلى داخل الجامع الذي امتلأ بالمواطنين والمقيمين، فأمّ المصلين سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، الذي آوى بعد أداء الصلاة على جثمان صاحيه، إلى الزاوية الخلفية من المسجد وقد بدا واضحاً عليه أمارات الحزن والأسى على فراق أعزّ الرجال وأنقاهم، ولكنها سنة الله في خلقه، وكلنا بقضائه راضون .
بعد ذلك حمل الجثمان إلى مقبرة الأسرة المالكة في بوشر ليوارى الثرى، فكانت الجموع هناك، ويبدو على وجوههم الوجوم، يكادون لا يصدقون ما حصل، ولكنّ من موجبات الإيمان بالله الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى.
ووري جثمانه الطاهر الثرى ترافقه صنائع معروفه، وجميل حسناته، وما بذله لأمته ولوطنه والبشرية جمعاء .
نسأل الله جلّ وعلا وتقدست اسماؤه، غافر الذنب وقابل التوب، العزيز الكريم القادر على كل شيء، أن يغفر لجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، وأن يشمله برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء، وأن يتقبله بقبول حسن، وأن ينزله منزلة الصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجزيه عن أمته ووطنه خير الجزاء، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، اللهم إننا استودعناك عبدك قابوس الذي احببناه حباً جما، اللهم لا نضنّ به عليك، فاحفظه كما تحفظ عبادك المخلصين القانتين الذاكرين الشاكرين لنعمك التي لا تعد ولا تحصى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .


























